قلت: ولو تأملتَ كتاب (الضعفاء) للعقيلي أو كامل ابن عدي أو ميزان الذهبي وما أودع فيها مما ينكر على رواتها من الحديث مع وصف الكثيرين منهم بالصدق لقام لك البرهان جليًا على صحة ما ذكرت لك ، فكن يقظًا لذلك .
واعلم أن الحديث الحسن الذي يساوي الصحيح في الاحتجاج به هو ما نتج الحكم بحسنه عن سبر وتأمل ، لا بمجرد النظر إلى ظاهر الإسناد، كما هو صنيع كثير من المنتسبين لهذا العلم الشريف) . انتهى كلامه ، وهو ، في جملته ، كلام مستقيم ، وتنبيه نفيس .
وقال أيضًا (1/571-573) في بيان معنى قولهم"صدوق": (وصفُ الراوي بهذه العبارة جرى عند المتأخرين حملُها على من يكون في مرتبة من يقولون فيه:(حسن الحديث) ، والاصطلاح لا حرج فيه ، لكنْ ليس على ذلك الإطلاق استعمالُ السلف .
نعم ، هي مرتبة دون الثقة في غالب استعمالهم ، بل حديث الموصوف بها - على ما نص عليه ابن أبي حاتم عن منهج أئمة الحديث - أنه يكتب وينظر فيه ، أي لا يؤخذ ثابتًا على التسليم ، حتى تُدفع عنه مظنة الخطأ والوهم ، ويكون ذلك الحديث المعيَّن منه محفوظًا .
والصدوق هو من يحكم بحسن حديثه عند اندفاع تلك المظنة ؛ قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن عطاء الخراساني ؟ فقال:"لا بأس به ، صدوق"، قلت: يحتج بحديثه ؟ قال:"نعم" (1) .
وقد تأتي (صدوق) وصفًا للثقة المبرز في الحفظ والإتقان ، فيكون إطلاقها عليه مجردة لا يخلو من قصور من قِبل القائل ، لا ينزل بدرجة ذلك الحافظ ، من أجل ما استقر من العلم بمنزلته .
وذلك مثل قول أبي حاتم الرازي في عمرو بن علي الفلاس:"كان أرشق من علي بن المديني ، وهو بصري صدوق" (2) .
(1) الجرح والتعديل (3/1/335)
(2) الجرح والتعديل (3/1/249)