وهذا الصنف من الرواة يحتَجُّ بتفرد الواحد منهم جمهورُ المتأخرين، فإنهم يُطلقون الاحتجاج بتفرد الصدوق في الأحوال كلها ما لم يخالف من هو أوثق منه مخالفة كبيرة أو بينة ؛ وأما المتقدمون - وهم علماء الحديث على الحقيقة - ومن تبعهم ، فيحتجون بتفرد الصدوق ، تارةً ، ويردونه تارةً أخرى، وذلك بحسب ما يتبين لهم من أَمارات نقدية وقرائن تحف ذلك الخبر الذي يريدون أن يتجشموا الحكم عليه ؛ وعند علماء المتقدمين في أحكام ومعاني تفرد الرواة ودلائله ، من البحث والتفصيل ، ما ليس عند المتأخرين ؛ قال ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) (1/1/37) في شرح جملة من مصطلحات المحدثين: (ووجدت الألفاظ في الجرح والتعديل على مراتب شتى ؛ وإذا قيل للواحد: إنه ثقة أو متقن ثبت ، فهو ممن يحتج بحديثه ؛ وإذا قيل له: إنه صدوق أو محله الصدق أو لا بأس به ، فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه ؛ وهي المنزلة الثانية) .
قال ابن الصلاح في (مقدمته) (ص134- طبعة الطباخ) (1) في شرح الفقرة الثانية من كلام ابن أبي حاتم: (قلت: هذا كما قال ، لأن هذه العبارات [أي كلمة صدوق وأخواتها] لا تُشعر بشريطة الضبط ، فينظر في حديثه ويختبر(2) حتى يعرف ضبطه ؛ وقد تقدم بيان طريقه في أول هذا النوع ؛ وإن لم يستوف النظر المعرف لكون ذلك المحدث في نفسه ضابطًا مطلقًا واحتجنا إلى حديث من حديثه اعتبرنا ذلك الحديث ونظرنا هل له أصل من رواية غيره كما تقدم بيان طريق الاعتبار في النوع الخامس عشر) .
(1) و (ص110-111) من طبعة نور الدين عتر .
(2) كذا ، وهي أصرح من (يعتبر) ، ولا أستبعد أن تكون مصحفة عنها ، بدليل قوله فيما يأتي (وقد تقدم بيان طريقه في أول هذا النوع--- كما تقدم بيان طريق الاعتبار في النوع الخامس عشر ) ، والذي تبين إنما هو طريق الاعتبار، وعلى كل حال فالمعنيان متقاربان .