الثالث: أن الذهبي نفسه قد صرح عند ذكره اختصاره للمستدرك بأن المستدرك لا يزال به حاجة إلى العمل والتحرير ؛ فقد قال في السير (17 / 175 -176) :(في المستدرك شيء كثير على شرطهما وشيء كثير على شرط أحدهما ، ولعل مجموع ذلك ثلث الكتاب ، بل أقل ، فإن في كثير من ذلك أحاديث في الظاهر على شرط أحدهما أو كليهما ، وفي الباطن لها علل خفية مؤثرة ؛ وقطعة من الكتاب إسنادها صالح وحسن وجيد ، وذلك نحو ربعه ، وباقي الكتاب مناكير وعجائب ، وفي غضون ذلك أحاديث نحو المئة يشهد القلب ببطلانها كنت أفردت منها جزءًا ، وحديث الطير بالنسبة إليها سماء .
وبكل حال فهو كتاب مفيد ، قد اختصرته ، ويُعْوِز عملًا وتحريرًا).
فتدبر عبارته الأخيرة هذه ، ترى لو كان الذهبي استوفى نقده للحاكم في تلخيص"المستدرك"أيكون لهذه العبارة معنى ؟ بل الظاهر أنه لو كان أتى على جميع الكتاب نقدًا واستدراكًا لذكره ، ولما اقتصر على قوله (قد اختصرته) ثم أردفه بما رأيت ، فنقد (المستدرك) أنفع من اختصاره بلا ريب .
ومما يؤيد قول من يرى أن الذهبي لم يقصد نقد"المستدرك"، وإنما أراد تلخيصه واختصاره كيفما اتفق - والذهبي مشهور بكثرة اختصاره للمطولات من كتب الرواية والرجال - أن الذهبي نفسه سمى تلخيص"المستدرك"تعليقًا فقد قال في"التلخيص"عند رواية الحاكم لحديث الطير (3/130-131) : (ولقد كنت زمانًا طويلًا أظن أن حديث الطير لم يجسر الحاكم أن يودعه في"مستدركه"، فلما علقت هذا الكتاب رأيت الهوْل من الموضوعات التي فيه !! فإذا حديث الطير بالنسبة إليها سماء !!) .