وأبو داود لم يُعنَ ببيان أحوال أحاديث هذا النوع ، لأن ضعفها عنده غير شديد ؛ فإنه قد قال - كما تقدمت حكايته عنه -: (وما كان في كتابي من حديث فيه وهنٌ شديدٌ فقد بينتُه ؛ ومنه ما لا يصح سنده) (1) ؛ فمعنى قوله (وهنٌ شديدٌ) هو الضعف الشديد ، ولا يصح تفسير الوهن الشديد بالضعف غير الشديد، إلا إذا كان معنى (الوهن) هو اللِّين والضعف اليسير الذي لا يمنع من صلاحية الحديث للاستشهاد ؛ وهذا غير صحيح ، لأن كلمة (وهن) تعني في اللغة والمصطلح الضعف المطلق أعني غير المقيد بخفة (2) ، بل هي في عرف بعض المتأخرين تطلق لإفادة الضعف الشديد .
فيبعد أن يكون مراد أبي داود بكلمة (وهن) الخفة في ضبط الراوي ليكون مراده بكلمة (وهن شديد) الضعيف لا الضعيف جدًا .
ويؤيد هذا التقريرَ أن أبا داود ذكر في عبارته الأولى كما تقدم أنه يبين الأحاديث المنكرة عندما يذكرها في كتابه، ومعلوم أن المنكر شديد الضعف (ولو بحسب اصطلاح المتأخرين - في الأقل -) (3) فكأن تلك العبارة الأولى الصريحة هي تفسير هذه العبارة الأخيرة المشكلة ، أو التي قد تُشكل .
(1) فكأنه رأى أن هذا الصنف من الأحاديث هو الذي يحتاج إلى البيان فبيَّنه .
(2) قال الجوهري في (الصحاح) : (الوَهْنُ، الضعفُ، وقد وَهَنَ الإنسانُ، ووَهَنَهُ غيره. يتعدَّى ولا يتعدَّى. ووَهِنَ أيضًا وَهْنًا، أي ضَعُفَ. وأَوْهَنْتُهُ أيضًا ووَهَّنْتُهُ تَوْهينًا. والوَهْنُ من الإبل: الكثيف. والوَهْنُ: نحوٌ من نصف الليل؛ والمَوْهِنُ مثله. قال الأصمعيّ: هو حين يُدبر الليل. وقد أَوْهَنَّا: صرنا في تلك الساعة. والواهِنَةُ: القُصَيْرى، وهي أسفل الأضلاع. وامرأةٌ وَهْنانَةٌ: فيها فتور وأناة) .
(3) إما بسبب شدة ضعف إسناده، أو بسبب مخالفته وشذوذه، أو لاجتماع الضعف والمخالفة.