وقال أيضًا (ص89-90) : (ومن أهل العلم طائفة طلبت الحديث ، وجعلت دأبها السماع على المشايخ ومعرفة العالي من المسموع ، والنازل ؛ وهؤلاء هم المحدثون على الحقيقة ؛ إلا أن كثيرًا منهم يُجهد نفسه في تهجي الأسماء والمتون وكثرة السماع من غير فهم لما يقرؤُه ، ولا تتعلق فكرته بأكثر من أني حصلت"جزء ابن عرفة"عن سبعين شيخًا ،"جزء الأنصاري"عن كذا كذا شيخًا ،"جزء ابن الفيل"،"جزء البطاقة"،"نسخة أبي مسهر"، وأنحاء ذلك .
وإنما كان السلف يسمعون فيعون فيرحلون فيقرءون فيحفظون فيعلمون (1) .
ورأيت من كلام شيخنا الذهبي في وصيته لبعض المحدثين في هذه الطائفة: ما حظ واحد من هؤلاء إلا أن يسمع ليروي فقط ، فلَيُعاقَبَنَّ بنقيض قصده ، وليشهرنَّه الله تعالى بعد أن ستره مرات ، وليَبْقَيَنَّ مضغة في الألسن وعبرة بين المحدثين ، ثم ليطبعَنّ الله على قلبه .
ثم قال: فهل يكون طالب من طلاب السنة يتهاون بالصلوات أو يتعانى تلك القاذورات ! وأنحس منه محدث يكذب في حديثه ويختلق الفُشار ؛ فإن ترقت همته المهينة (2) إلى الكذب في النقل والتزوير في الطباق فقد استراح ؛ وإن تعانى سرقة الأجزاء أو كشط الأوقاف فهذا لص بسمت محدث ؛ وإن استعمل من العلوم قسطًا فقد ازداد مهانة وخبطا ، إلى أن قال: فهل في مثل هذا الضرب خير؟! لا كثَّر الله منهم . انتهى .
ولبعضهم:
إن الذي يروي ولكنه *** يجهل ما يروي وما يكتب
كصخرة تنبع أمواهها *** تسقي الأراضي وهي لا تشرب
)؛ انتهى ما أردت نقلُه من كلام التاج السبكي .
وقال السيوطي (1/48) بعد نقله هاتين الكلمتين عن ابن السبكي وغيرهما:
(1) ذكر محقق الكتاب أن هذه الكلمة وردت في بعض أصوله الخطية بتقديم الميم .
(2) وقع في بعض نسخ (معيد النعم) : (الفتية) وفي أخرى (المهينة) وفي أخرى (المقينة) وفي أخرى (المعنتة) ، وفي (تدريب الراوي) (1/47) : (المفتَّنة) ، واختار محقق كتاب السبكي (الفتية) ! .