ثم إنهم كأنهم كانوا يستعملون هذه الكلمة للتعبير عن حال المتروك ، أحيانًا ، لأن تركهم إياه كان سببًا في ذهاب حديثه وضياعه (1) ؛ ولا يشترط لذهاب حديثه حقيقةً - أو حكمًا - أن يُجمِع الرواة على تركه ؛ ولكن يكفي في ذلك أن يتركه الثقات ، فإن ما يبقي منه بأيدي الضعفاء والمتروكين والمدلسين ممن رووا عن ذلك المتروك لا يعد شيئًا ذا بال في اعتبارات النقاد ؛ كما قال البخاري في (التاريخ الأوسط) (2/195) : ( [2277] - قال يحيى بن يحيى: كان خارجة بن مصعب يدلس عن غياث بن إبراهيم ، وغياث ذهب حديثه ، ولا يعرف صحيح حديثه من غيره) ؛ لأن من لا يروي عنه الثقات لا يمكن اعتبار حديثه ودراسته.
وهذا بعض ما ورد من عباراتهم التي قُرن فيها بين كلمة (ذهب حديثه) وكلمة أخرى ، وهي عبارات تحتاج إلى التدبر والتأمل ، فبعض تلك القرائن تُخرج هذا الاصطلاح عن جادته المذكورة، فقد يكون المراد هو مجرد المعنى اللغوي ، أي ضياع حديث الراوي أو معظمه، بسبب ضياع كتبه أو تلفها أو موته قبل أن يحدِّث بمسموعاته.
قال محمد بن عثمان بن أبي شيبة في (سؤالاته لابن المديني) (ص147) (199) : (سمعت عليًا يقول: روح بن أسلم ذهب حديثه(2) ؛ يعني ضاع).
فهنا قد يصح أن يقال: إن هذه الكلمة واردة على خلاف الأصل فيها ؛ فلا بد إذن من ملاحظة القرائن والاحتمالات .
قال الجوزجاني في (أحوال الرجال) (ص128) (213) (3) : (يزيد بن عياض بن يزيد بن جعدبة الليثي ذهب حديثه ، سكت الناس عنه) .
قلت: يظهر أن كلمة (سكت عنه الناس) بيان لمعنى (ذهب حديثه) وتوكيد له.
وقال ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) (4/70) : (296) : (سعيد بن واصل الحرشي .
(1) فعبروا بالسبب عن مسبَّبه.
(2) هذا التفسير لمحمد.
(3) وروى كلمة الجوزجاني هذه الخطيب في (تاريخ بغداد) (14/331) .