3-إن البغوي لم يدَّع ، أو لم يصرِّح ، بأنَّ كل حديث يورده تحت تراجم الحسان من كتابه فهو حديث حسن ؛ ولكن قد يُفهم هذا من قوله السابق (وما كان فيها من غريب أو ضعيف أشرتُ إليه ، وأعرضت عن ذكر ما كان منكرًا أو موضوعًا) ، وقد يقال: إنه لم يشترط في الإشارة إلى الغرائب والضعاف الاستيعابَ ، ويردّ على هذا بأنه ظاهر سياقه وعبارتِه ، ويعضده أن الحديث الضعيف لا يحتج به ، فالأصل عدم إيراده في كتب الأحكام غير المسندة ، أو إيراده فيها مع بيان ضعفه ، فإذن سكوت البغوي عن الحديث يؤخذ منه أن أقل رتبة لذلك الحديث المسكوت عنه هي الحسن ، إلا إن كان يورد الأحاديث الضعيفة التي تشهد لأحاديث ثابتة قبلها ، أو أنها تتقوى ببعضها ، فيرى أنه لا يحتاج للإشارة إلى ضعف هذا النوع من الأحاديث لثبوت متونها عنده في الجملة ؛ والله أعلم .
4-من المحتمل أن تكون تسمية البغوي للحسان تسمية أغلبية ، أي أنه كان يرى أن أكثر ما يورده من الأحاديث تحت عنوان (الحسان) أحاديث حسنة ، نعم فيها الصحيح الذي رأى أنه لا يحتاج إلى التنبيه على صحته (1) ، وفيها الضعيف والغريب اللذين ذكر أنه يشير إليهما .
وبعبارة أخرى: قد يكون حكم البغوي على الأحاديث التي أوردها تحت فصول الحسان حُكمًا أغلبيًا أو إجماليًا أو تقريبيًا ، فحكم على ما اختاره من جملة أحاديث (السنن) بالحُسن ، مستثنيًا ما ضعفه أو استغربه من الأحاديث فهي غير داخلة في جملة الأحاديث الملقبة بالحُسن عنده ، وأما ما فيها من الصحاح فكأنه كان يرى أنه لا يضره دمجه بالحسان .
ولكن يَرِدُ على هذا أمران:
الأول: أنه عمم اصطلاحه في كلمته التي سبقت حكايتُها فقال: (وأعني بالحسان ) ، فأطلق ولم يقيد ، وسياقه يُشعر بأنه أراد العموم ، وقوله (وما كان فيها من ضعيف أو غريب أشرتُ إليه) لم يخْرج مخرج الاستثناء .
(1) ويأتي الكلام على هذه المسألة .