قلت: وهذا إذا كان شيخه قد رواه له على الخطأ ؛ فأما إذا وجد ذلك في كتابه وغلب على ظنه أن ذلك من الكتاب لا من شيخه ، فيتجه ههنا إصلاح ذلك في كتابه وفي روايته عند تحديثه به ، معًا؛ ذكر أبو داود أنه قال لأحمد بن حنبل: وجدت في كتابي"حجاج عن جريج عن أبي الزبير"يجوز لي أن أصلحه (ابن جريج) ؟ فقال: أرجو أن يكون هذا لا بأس به.
وهذا من قَبيل ما إذا درس (1) من كتابه بعضُ الإسناد أو المتن فإنه يجوز له استدراكه من كتاب غيره إذا عرف صحته وسكنت نفسه إلى أن ذلك هو الساقط من كتابه ، وإن كان في المحدثين من لا يستجيز ذلك ؛ وممن فعل ذلك نعيم بن حماد فيما رُوي عن يحيى بن معين عنه؛ قال الخطيب الحافظ (2) : ولو بين ذلك في حال الرواية كان أولى.
وهكذا الحكم في استثبات الحافظ ما شك فيه من كتاب غيره أو مِن حفظه، وذلك مروي عن غير واحد من أهل الحديث، منهم عاصم وأبو عوانة، وأحمد بن حنبل .
وكان بعضهم يبين ما ثبَّته فيه غيرُه فيقول:"حدثنا فلان وثبتني فلان" (3) ؛ كما روي عن يزيد بن هارون أنه قال: أخبرنا عاصم ، وثبتني شعبة ، عن عبد الله بن سَرْجِس (4) .
(1) أي عفا وانمحى.
(2) في (الكفاية) (ص254) .
(3) قال الأبناسي في (الشذا الفياح) (1/371) : (فإن بين أصل التثبيت ولم يبين من ثبته فلا بأس به فعله أبو داود في سننه عقيب حديث الحكم بن حزن فقال: ثبتني في شيء منه بعض أصحابنا) .
(4) قال الأبناسي في (الشذا الفياح) (1/371) : (قوله عن يزيد بن هارون كذا هو في مسند أحمد قال ثنا يزيد بن هارون قال انا عاصم بالكوفة فلم أكتبه فسمعت شعبة يحدث به فعرفته به عن عاصم عن عبد الله بن سرجس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر قال: اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر الحديث ؛ وفي غير المسند عن يزيد قال: أنا عاصم وثبتني شعبة) .