فهرس الكتاب

الصفحة 516 من 1631

ولما كان الغالب على مسلكهم في هذه القضية هو مقصد التعليل صاروا لا يعتدون بالمتابعات الساقطة عن حد الاعتبار ، ولا يلتفتون إليها، فتراهم ينصون على تفرد ذلك الراوي الثقة أو المقبول ، في الجملة ، وإن شاركه في روايته لذلك الحديث بعض الهلكى أو المخطئين من الرواة (1) .

(1) وعقد الدكتور حمزة المليباري في (الموازنة بين المتقدمين والمتأخرين في تصحيح الأحاديث وتعليلها) مبحثًا في التفرد ، هو المبحث الثاني من مباحث الكتاب ، وقد ضم جملة من مسائل التفرد هي (حقيقته ، أهميته في معرفة علل الأحاديث ، الطريقة العلمية للكشف عن التفرد ، ضابط التفرد ، مراتب التفرد ، أمثلة ونماذج توضيحية) ، فقال في بيان حقيقة التفرد (ص71-72) :

(يراد بالتفرد أن يروي شخص من الرواة حديثًا ، دون أن يشاركه الآخرون ، وهو ما يقول فيه المحدثون النقاد:"حديث غريب"، أو:"تفرّد به فلان"، أو:"هذا حديث لا يُعرف إلاَّ من هذا الوجه"، أو"لا نعلمه يُروي عن فلان إلا من حديث فلان"، أو نحو ذلك .

وما يمكن استخلاصه من نصوصهم أن التفرد على نوعين: تفرد مطلق ، وتفرد نسبي ، غير أنهم كثيرًا ما يطلقونه على حديث ولا يفرقون بينهما ، وهذا ما يجعل المبتدئين يفهمون منه خلاف مقصودهم .

أما المطلق فأن لا يكون الحديث معروفًا إلا من رواية فلان ، مثل ما تفرّد به أشعث بن عبد الله ، عن الحسن ،عن عبد الله بن مغفل: أن النبي صلى الله عليه وسلم"نهى أن يبول الرجل في مستحمه …" [أخرجه الترمذي في كتاب الطهارة من سننه] .

يقول الترمذي:"هذا حديث غريب ، لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث أشعث بن عبد الله".

وأما النسبي فأن يكون التفرد بالنسبة إلى جهة معينة ، مثل حديث سلمة بن وردان ، عن أبي سعيد بن أبي المعلى ، عن علي بن أبي طالب ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة …"، فإنَّ سلمة بن وردان لم يتفرّد بهذا الحديث مطلقًا ، وإنما تفرّد بجعله من مسند علي ، وهذا تفرد نسبي والحديث مشهور عن أبي هريرة. [روى ابن عدي حديث سلمة بن وردان في الكامل 3/1182] .

ومثل حديث:"إنما الأعمال بالنيات"، الذي رواه الربيع بن زياد ، عن محمد بن عمرو ،عن محمد بن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عمر بن الخطاب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، يقول ابن عدي: لم يروه عن محمد بن عمرو ، عن محمد بن إبراهيم غير الربيع بن زياد [أورده ابن عدي في الكامل 3/997] ؛ اعتبر ابن عدي رواية الربيع لهذا الحديث تفردًا رغم شهرته عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عمر، لأنه تفرّد بإضافته إلى محمد بن عمرو).

ثم قال عقب ذلك (ص72) في بيان أهمية [العلم بـ] التفرد في معرفة علل الأحاديث:

(إن التفرد من المسائل التي اعتنى بها نقاد الحديث إذ أن له علاقة مباشرة بتعليل الأحاديث ، فهو أحد وسائل الكشف عما يكمن في الأحاديث من أوهام وأخطاء ، فمن ثَمَّ أولاه المحدثون عنايةً بالغةً واهتموا به اهتمامًا خاصًا ، فأفردوه بالتصنيف، فمن هذه المصنفات كتاب"الأفراد"، و"غرائب مالك"، و"الفوائد المنتخبة"، للإمام الدارقطني ، ومنها ما يُنسب لتمام [تصحفت في المطبوعة إلى(لأبي تمام) ] وغيره من كتب الفوائد ، ومنها كتاب"المعجم الأوسط"، و"المعجم الصغير"، كلاهما للطبراني ، و"المسند المعلل"، للإمام البزار ، و"حلية الأولياء"، لأبي نعيم ، و"التاريخ الكبير"للإمام البخاري ، و"الكامل"لابن عدي ، و"الضعفاء"للعقيلي ، وغيرها كثير .

وذلك مما يدل على أهمية المسألة ، إذ أنه ليس بالإمكان تعليل الأحاديث أو تصحيحها إلا بعد معرفة حالة التفرد أو حالة المشاركة في كل طبقة من طبقات الإسناد) ؛ انتهى ما أردت نقله من كلامه، وما بين الحاصرتين زيادات مني إما تصحيحية وإما مأخوذة من هامش (الموازنة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت