والتصنيف ليس بالأمر السهل ، كما يظنه كثير من الجاهلين والمتجرئين على تصنيف الكتب بل تسويدها ؛ قال الخطيب في (الجامع) (2/428) : (ينبغي أن يفرغ المصنف للتصنيف قلبَه ويجمع له همه ويصرف إليه شغله ويقطع به وقته) ؛ قلت: هذه شروط إقدام العلماء على التصنيف ، فما هي شروط إقدام المتعالمين عليه؟! (1)
(1) ومما أريد أن أصرح به هنا - ولعل المقام مناسبٌ لذلك - هو أنني يأخذني خجل شديدٌ حين أنظر في كتب العلماء السابقين رحمهم الله ، أو أتذكرها ، وأنظر فيما كتبتُه أو أتذكره ، فأُحسُّ بقصور فيَّ وجُرأة وتقصير ، فأقول: أما آن لي ولأمثالي أن ندع ما لا نحسن ، وأن نُقبل على شأننا ونندم على إقدامنا على أمورٍ لا نتقنها ، ونقلع عن التأليف فندعه لأهله ، وما أحسن أن يعرف المرء قدر نفسه ؛ فتجيبني نفسي - ولست على ثقة مما تحاوله -: (تلك كتب تعبْتَ عليها كثيرًا ، منذ زمن ليس بالقصير ، ولقد أكملتَ معظمها حتى لم يبق عليك لإكمالها إلا شيء يسير ، وعسى أن يكون فيها من النفع مثل ما ترجوه أو فوق ذلك) ، ثم تذكر النفس غير ذلك من تعللات كلها واهية ، وكلها داخلة في معنى عدم سماحها بترك ذلك الأمر ، والنفس من شأنها - واللهِ - أنها تختلق أعذارًا كثيرة عجيبة ، وتزين أمورًا خيرها قليل ونفعها ضئيل ، والقلوب ضعيفة غافلة ساهية ، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما اشتغلت بغير كتاب الله وتدبر معانيه والعمل به ، وبما صح من الحديث الشريف ، ومطالعة كتب الزهد والتزكية ، والله وحده المستعان ، وإن لم يغفر لنا ويرحمنا فإننا هالكون ؛ أقول هذا إقرارًا بالضعف والعجز والجهل ، وموعظةً للمبتدئين في الطلب ، وتحذيرًا من (سوف) وأخواتها ، وتذكيرًا بحقٍّ مفرَّط فيه ، واعترافًا بعظيم فضل السلف والمتقدمين من العلماء ، وشهادةً أرجو نفعها يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم .