فهرس الكتاب

الصفحة 500 من 1631

ثم إن مما يستحقُّ الذكرَ هنا هو أن تصنيف الكتب له فضل عظيم في حفظ العلوم ونشرها ، وتعظيم ثواب العلماء الصادقين المحتسبين ، روى الخطيب في (الجامع) (2/422) تحت باب أسماه (باب البيان والتعريف لفضل الجمع والتصنيف) عن إبراهيم بن عبد الله الخلال قال: سمعت ابن المبارك يقول: صنفت من ألف جزء جزءًا ) .

ثم قال الخطيب: (وقلَّ ما يتمهر في علم الحديث ويقف على غوامضه ويستنير(1) الخفي من فوائده إلا من جمع متفرقه وألف متشتته وضم بعضه إلى بعض واشتغل بتصنيف أبوابه وترتيب أصنافه ، فإن ذلك الفعل مما يقوّي النفسَ ويثبت الحفظ ويذكي القلب ويشحذ الطبع ويبسط اللسان ويُجيد البيان ويكشف المشتبه ويوضح الملتبس ويُكسب أيضًا جميل الذكر وتخليده إلى آخر الدهر ، كما قال الشاعر:

يموت قومٌ فيُحيي العلمُ ذكرَهم**والجهل يُلحق أمواتًا بأموات).

وقال الخطيب في (الجامع) (2/428) : (وكان بعض شيوخنا يقول: من أراد الفائدة فليكسر قلم النسخ وليأخذ قلم التخريج) .

وقال السخاوي في (فتح المغيث) (3/319) : (وما أحسنَ قولَ التاجِ السبكي: العلمُ وإن امتد باعه واشتد في ميادين الجدال وِقاعُه واشتد ساعده حتى خرق به كل سدٍّ سُدَّ بابُه وأُحكم امتناعه ، فنفعُه قاصر على مدة حياته ما لم يصنف كتابًا يخلد بعده ، أو يورث علمًا ينقله عنه تلميذ إذا وجد الناس فقدَه ، أو تهتدي به فئةٌ مات عنها وقد ألبسها به الرشاد برده ، ولعمري إن التصنيف لأرفعها مكانًا ، لأنه أطولها زمانًا وأدومها إذا مات أحيانًا ، لذلك لا يخلو لنا وقت يمر بنا خاليًا عن التصنيف ، ولا يخلو لنا زمان إلا وقد تقلد عقده جواهر التأليف ، ولا يجلو علينا الدهر ساعة فراغ إلا ونُعمل فيها القلم بالترتيب والترصيف) .

(1) هكذا وردت هذه الكلمة في مطبوعة محمد عجاج الخطيب ، وأظنها في طبعة محمود الطحان: (يستثير) ، وهي في (فتح المغيث) للسخاوي (3/319) : (يستبين) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت