وإنه لمما يناسب هذا المقام أن أسوق فيه جملة من أقوال العلماء في هذا الباب تأييدًا لهذا التأصيل ؛ فأقول:
روى الخطيب في (اقتضاء العلم العمل) (ص83) عن الغلابي قال: سأل رجل ابن عيينة عن إسناد حديث قال: ما تصنع بإسناده؟! أما أنت فقد بلغتك حكمته ولزمتك موعظته.
وذكر الماوردي في (أدب الدنيا والدين) (ص88-89) عن الحسن البصري أنه حدث بحديث فقال رجل: يا أبا سعيد عمن؟ قال: ما تصنع بعمن؟! أما أنت فقد نالتك عظته وقامت عليك حجته.
وقال الذهبي في ترجمة الشافعي من (سير أعلام النبلاء) (10/97) : وبلغنا عن الإمام الشافعي ألفاظ قد لا تثبت ولكنها حكم؛ ثم سرد الذهبي جملة طيبة منها.
وقال أبو نعيم في (الحلية) (9/377-378) : حدثنا عثمان بن محمد العثماني ثنا أبو الحسن الرازي قال: سمعت يوسف بن الحسين يقول: قال ذو النون: (صدور الأحرار قبور الأسرار؛ قال: وسئل ذو النون: لم أحب الناس الدنيا؟ قال: لأن الله تعالى جعلها خزانة أرزاقهم فمدوا أعينهم إليها؛ وقيل له: ما إسناد الحكمة؟ قال: وجودها؛ وسئل يومًا) (1) .
(1) هذا كلام ذي النون المصري ينقله يوسف بن الحسين الرازي، وأما في رواية الخطيب الآتية بع قليل ففيها أن الكلام المتعلق بالحكمة ليوسف الرازي، ولا تنافي، فكأنه سمعها من ذي النون فمرة رواها عنه، ومرة سئل هو عنها فأجاب بما سمعه من ذي النون.