فهرس الكتاب

الصفحة 378 من 1631

ووجدت النفس تستروح إلى مطالعة أخبار من تقدم، ومراجعة آثار من خرِبَ رَبْعُ عمره وتهدَّم، ومنازعة أحوال مَن غبر في الزمان وما ترك للشعراء من متردَّم، إذ هو فن لا يُملُّ مِن إثارة دفاين دفاتره، ولا تُبَلُّ جَوانح مَن أَلِفه إلا بمواطن مواطره، كمن من ناظر اجتنى زهرًا ناضرًا مِن أوراقه، وكم من ماهر اقتنى قمرًا سافرًا بين أرواقه، لأن المطَّلعَ على أخبارِ مَن درَج ووقائعِ مَن غاب في الموت وما خرج ومآثر مَن رقا إلى سماء السيادة وعرج، ومناقب من ضاق عليه خناق الشدة إلى أن فُتح له باب الفرج: يعود كأنه عاصَرَ أوليك ، وجلس معهم على نمارق الأسرة واتَّكا بينهم على وسايد الأرايك، واستجلى أقمار وجوههم إما في هالات الطيالس أو في دارات الترايك، وشاهد من أشرارهم شرر الشياطين وفُضَّ له فضل أخيارهم في ملأ الملائك، وعاطاهم سلافة عصرهم في عصرهم السالف، ورآهم في معاركهم ينتشقون رياحين السيوف ويستظلون القنا الراعف، فكأنما أولئك القوم لِداته وأترابُه، ومن ساءه منهم: أعداؤه ، ومن سرَّه: أحبابُه، لكنهم درجوا في الطليعة مِن قبله، وأتى هو في الساقة على مَهله .

وما نحن إلا مثلهم غير أنهم

مضوا قبلنا قُدْمًا ونحن على الاثر

والتاريخ للزمان مرآة، وتراجم العالم للمشاركة في المشاهدة مرقاة، وأخبار الماضين لمن عاقر الهموم ملهاة.

لولا أحاديث أبقتها (1) أوايلنا

من الندى والردى لم يُعرف السمَرُ

وما أحسن قول الأرَّجاني:

إذا عرف الإنسان أخبارَ من مضى

توهَّمتَه قد عاش في أول الدهر

وتحسبه قد عاش آخر دهره

إلى الحشرِ إن أبقى الجميل من الذكر

فقد عاش كل الدهر من كان عالمًا

كريمًا حليمًا فاغتم أطول العمر

(1) رسمت في المطبوعة هكذا (أبقها) ، ولعلها (أبقاها) أو (أبقتها) كالذي أثبتُّه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت