وأصول فن التحقيق عربية إسلامية محضة ، قال الدكتور رمضان عبد التواب في أول كتابه (مناهج تحقيق التراث بين القدامى والمحدثين) : (يظن بعض الباحثين المحْدثين من العرب ، أن فن تحقيق النصوص فن حديث ابتدعه المعاصرون من المحققين العرب ، أو استقوه من المستشرقين ، الذين سبقونا في العصر الحاضر بعض الوقت في تحقيق شيء من تراثنا ونشره بين الناس .
ولكن الحقيقة بخلاف ذلك ، فقد قام فن تحقيق النصوص عند العرب مع فجر التاريخ الإسلامي (1) ، وكان لعلماء الحديث اليد الطولى في إرساء قواعد هذا الفن في تراثنا العربي ، وتأثر بمنهجهم هذا أصحاب العلوم المختلفة ؛ وإنَّ كثيرًا مما نقوم به اليوم من خطوات في فن تحقيق النصوص ونشرها ، بدءًا من جمع المخطوطات والمقابلة بينها ، ومرورًا بضبط عباراتها وتخريج نصوصها ، وانتهاءً بفهرسة محتوياتها ، لمما سبقَنا به أسلافنا العظام من علماء العربية الخالدة ) ؛ انتهى .
وللدكتور محمود مصري بحث نُشر في مجلة معهد المخطوطات العربية (45/35-66) باسم (تأصيل قواعد تحقيق النصوص عند العلماء العرب المسلمين: جهود المحدثين في أصول تدوين النصوص) وقد قال في أوله:
(إن المفهوم الذي ينطوي عليه ما نسميه اليوم علمَ تحقيق المخطوطات قد عَمل بأصوله العربُ المسلمون ، عند تدوينهم القرآن الكريم والسنة الشريفة ، منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم دونوا هذا العلم وقعّدوه بشكل ناضج في تصانيفهم المتعلقة بعلوم الحديث منذ القرن الرابع الهجري ؛ ولعل شيوع الوِجادة في هذا القرن كان له الأثر الواضح في ظهور مبادئ هذا العلم في مؤلفات علماء الحديث .
وسوف نرى في هذا البحث ما يقوم به الدليل على أننا ندين لعلماء مصطلح الحديث بتأسيس قواعد هذا العلم وبناء هيكله الأساسي) ثم ذكر أدلة ذلك .
(1) لو قال مع بداية زمن التدوين لكان أقرب .