وللشيخ طاهر الجزائري كلام في هذا الباب جيد ولكنْ في بعضه نظر ؛ وأنقله هنا ليقف القارئ به على وجه الفائدة من نقل أقوال العلماء في المسألة واختلافاتهم فيها ولكن لا تسلِّم كل ما قاله فيه ، وعلى كل حال ففي كلامه بيان لحجج القائلين بتكثير الأقوال واستيعابها فمن قدر على تمييز غثه من سمينه انتفع به واتضح عنده ما ذكرته أنا في الفقرة التي نحن بصدد التعليق عليها ؛ قال رحمه الله في ( توجيه النظر ) ( ص43-44 ) :
( وقد اعترض بعض الناس على المؤلفين الذين ينقلون في المسألة جميع الأقوال التي وقفوا عليها كما فعله بعض علماء التفسير وعلماء الأصول ومن نحا نحوهم وذلك لجهلهم باختلاف أغراض المصنفين ومقاصدهم ولتوهمهم أن طريق التأليف يجب أن لا يخالف ما تخيلوه في أذهانهم ؛ وقد أحببنا أن نختم هذا الفصل بالجواب عن اعتراضهم فنقول:
إن تلك الأقوال إن كانت مختلفة في المآل عرف الناظر الخلاف في المسألة ، وفي معرفة الخلاف فائدة لا تنكر ، وكثيرًا ما يستنبط من أمعن النظر فيها قولًا آخر يوافق كل واحد من الأقوال المذكورة من بعض الوجوه ، وكثيرًا ما يكون أقوى من كل واحد منها وأقوم ؛ وقد وقع ذلك في مسائل لا تحصى في علوم شتى .
وإن كانت تلك الأقوال غير مختلفة في المآل كان من توارُد العبارات المختلفة على الشيء الواحد ، وفي ذلك من رسوخ المسألة في النفس ووضوح أمرها ما لا يكون في العبارة الواحدة ؛ على أن بعض العبارات ربما كان فيها شيء من الإبهام أو الإيهام فيزول ذلك بغيرها ؛ وقد يكون بعضها أقرب إلى فهم بعض الناظرين ، فكثيرًا ما تعرض عبارتان متحدتا المعنى لإثنين تكون إحداهما أقرب إلى فهم أحدهما ، والأخرى أقرب إلى فهم الآخر ؛ وهذا مشاهد بالعيان لا يحتاج إلى برهان ؛ ومن ثم ترى بعض المؤلفين قد يأتون بعبارة ثم إذا بدا لهم أن بعض المطالعين ربما لم يفهمها أتوا بعبارة أخرى وأشاروا إلى ذلك .