وأزيد هنا أن أنبه على ضرورة أن يتعرَّف من قلَّ نصيبُه من العلم (1) قدْرَ علمه ونفسه فلا يستعمل عبارات العلماء التي لا تليق بغيرهم ، ولا ينسج على منوالهم الذي يختص بهم ، ألا ترى ما حصل في هذه الأزمنة من تكاثر التعالم ولا علْم ، وانتشار الدعاوى العريضة التي تزكم الأنوف ، وتُلبِّس على الناس أمر دينهم ؟ ألا ترى هذه العبارات التي تصدر من صغار الطلبة الذين لا يحسنون الطلب ، ترى ديدن أحدهم أن يرد على الشاقعي في الفقه وعلى أحمد في السنة وعلى ابن المديني في العلل وعلى ابن معين في الرجال ، ولو عرف قدرهم أو قدر نفسه لغطى وجهه حياءً من ذكرهم إذا ذكروا عنده ؛ وترى طويلبًا آخر يأبى إلا أن يستعمل ألفاظ الفحول والفخم من عباراتهم التي هم لها أهلٌ ، فيقول تارة: وعندي أن هذا الأمر كذا ، وتارة أخرى يقول: والراجح عندي كذا ، وحينًا يقول: وهذا فيه نظر عندي ، ثم لا يبين ما هو ذلك النظر ؛ وكلما تأخر الزمن كثرت عجائبه ولكن يقلُ تعجبُ أهله ، والله المستعان .
وجدير بهذا الموضع أن أذكّر فيه بكتاب العلامة المحقق صاحب التصانيف الحسان الحافلة بالفوائد الشيخ بكر بن عبدالله أبو زيد حفظه الله لأمته وشفاه من علته (التعالم وأثره على الفكر والكتاب) .
التعالم هو ادعاء العلم بالقول أو العمل أو الحال أو الهيئة ونحو ذلك ، ممن ليس من أهل العلم .
وهو آفة شديد خطرها عظيم فتكها ، إنها إحدى كبار المصيبات التي صُبَّت على هذه الأمة ودام بقاؤها في تزايد ، وإحدى الفتن التي يصعب تقليل شرها وضررها على الأمة على رغم ما يبذله من أجل ذلك كلُّ عامل من العلماء وكلُّ حكيمٍ من الدعاة وكل مصلح مجاهد .
ولانتشار هذا المرض أسباب ، ذكرها العلامة بكر بن عبدالله أبو زيد في (التعالم وأثره على الفكر والكتاب) (ص33 - المجموعة العلمية) فقال:
(ويمكن إحمالُ الأسباب على ما يلي:
(1) كما هو شأن العبد الضعيف جامع هذا الكتاب عفا الله عنه .