ثالثًا: رأيت أن أتوسع في مضمون الكتاب من جهة اللغة ، كثيرًا ، فذكرت طرفًا من المعاني والمسائل الراجعة إلى اللغة قبل رجوعها إلى المصطلحات الخاصة ؛ ولو اتسع وقتي لتوسعت في ذلك أكثر وأكثر وما أراني إلا معذورًا فيما ذكرتُه وفيما حاولته ، لأني أردت بذلك أن أضرب أمثلة كثيرة على شدة ما بنا من حاجة إلى التزود من مَعين لغتنا العربية ، لغة القرآن الكريم والسنة المطهرة ولغة علمائهما ، وأن أنبه بكثير من هذه المسائل التي تطرقتُ إليها في الكتاب على شدة تقصيرنا في حق لغتنا هذه ، تلك اللغة العالية الرفيعة الكريمة العظيمة العجيبة ، والتي أصبحت اليوم غريبة ، بل مهجورة ، أو شبه مهجورة ، وأن أبرهن بمجموع ما ذكرتُه أنَّ كثيرًا من عرب هذا العصر أكرمهم الله وأعزهم وثبتهم على الإسلام ، إنما هم من حيثُ جهلُهم باللغة: أقربُ إلى صفة الأعاجم منهم إلى خصائص العرب ! وهذا أمر يشتد له أسى العقلاء من هذه الأمة .
إنني على يقين تام من أن حاجتنا اليوم إلى معرفة لغة المحدثين العامة ممن كان في أزمنة الفصاحة والصفاء وما تلاها من الأزمنة أكثر بكثير من حاجتنا إلى معرفة مصطلحات المحدثين ، أو لغتهم الخاصة ، إن جاز أن نسميها كذلك ، ثم إنني على يقين أيضًا من أنَّ تعلم هذه المصطلحات الخاصة لا يؤتي عندنا - أهل هذا العصر - ثماره المرجوة إذا مازجه منا جهل كبير بلغة المحدثين العامة أي الكبرى ، أعني لغة أمتهم وأمتنا أمة الإسلام .