أي: أكفروا بتلك الآيات البينات؟ وكلَّما عاهدوا وأعطوا عهد الله في حق محمد - صلى الله عليه وسلم - نقضه، ورماه جماعةٌ منهم، وقوله: {نَبَذَهُ} جواب {كلما} وهو محلُّ الاستفهام الإنكاري، والمعنى: أنقضوا العهد كُلَّما عاهدوا عهدًا، ولا ينبغي ولا يليق بهم ذلك النقض، وذلك العهد، كقولهم قبل مبعث محمد - صلى الله عليه وسلم: لئن خرج نبيُّ آخر الزمان لنؤمننَّ به، ولنخرجنَّ المشركين من ديارهم، وككونهم عاهدوا الله على أن لا يعينوا عليه - صلى الله عليه وسلم - أحدًا من المشركين، ثم أعانوا عليه قريشًا يوم الخندق.
وفي"المراغي": والمراد بالعهود هنا: هي عهودهم للنبي - صلى الله عليه وسلم -، ولمَّا كان لفظ الفريق يُوهم قلّةَ العدد، مع أن الناقِضينَ للعهد هم أكثر، أَضْرَبَ عنه،
وقال: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} ؛ لأنّهم لا عهود لهم؛ أي: بل أكثر اليهود لا يصدِّقون ربَّك أبدًا؛ لحَسَدِهم.
وقيل المعنى: بل أكثر اليهود لا يؤمنون بالتوراة، وليسوا من الدين في شيء، فلا يعتدُّون - نقض العهد والمواثيق ذنبًا، ولا يبالون، وهذا ردٌّ لما يتوهَّم من أنَّ الفريق النابذين هم الأقلُّون، أو أنّ من لم ينبذ جهارًا فهم مؤمنون به خفاءً. وهذا من إخبار الغيب، إذ أنَّ أكثر اليهود ما آمنوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ولن يؤمنوا به، فمثل هذا الحكم لا يصدر إلّا ممَّن يعلم خفيَّات الأمور.
والخلاصة: أنَّ الله سبحانه وتعالى، بيَّن في هذه الآية حالين لأهل الكتاب.
أولاهما: أنّه لا يوثق بهم في شيء؛ لما عرف عن كثير منهم من نقض العهود في كل زمان.
ثانيتهما: أنّه لا يرجى إيمان أكثرهم؛ لأنّ الضلال قد استحوذ عليهم، وجعلهم في طغيانهم يعمهون. انتهى انتهى {حدائق الروح والريحان. 2/ 88 - 135} ...