القسم الأول: حِفظُ ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وكلِّ ما يحتمل أن يكونَ له حكمُ الرفع ، أو يُحتج به ، أو يستشهد به ، من آثار السلف ؛ من الضياع والتحريف وسائر أنواع التغيير .
وكذلك حِفظُ ما ذكره العلماء وبينوه من أصولٍ وفروعٍ في نقد تلك الأخبار ورواتها .
ثم نشرُ ما يحتاجه العلماء والطلاب والناس من ذلك كله .
وهذه المقاصد هي - عند التأملِ - وظيفة قسم الرواية من علم الحديث .
القسم الثاني: وله شعبتان:
الأولى: نقدُ تلك المروياتِ ورواتِها ، لتمييزِ الثابتِ منها عن غيرِه .
والثانية: تحقيقُ الأحكامِ الأصلية والفرعية في هذا الفن ، أعني الأحكام العامة ، وهي الأصول والضوابط ، والأحكام الخاصة ، وهي أحكام الرواة والأحاديث من حيث القبول والرد .
وهاتان الشعبتان هما قسم الدراية من علم الحديث .
وقد تكلم العلامة الإمام أبو شامة المقدسي رحمه الله تعالى في خطبة كتابه (شرح الحديث المقتفى في مبعث النبي المصطفى) (ص44-54) في أقسام علوم الحديث في زمانه وما يتعلق بذلك ؛ وقد اختصره ثم تعقبه الحافظ ابن حجر في (النكت على ابن الصلاح) (1/228-231) فقال:
(وقد ذكر أبو شامة في كتاب(المبعث) شيئًا ينبغي تحريره فقال: يقال: علوم الحديث الآن ثلاثة:
أشرفها: حفظ متونها ومعرفة غريبها وفقهها .
والثاني: حفظُ أسانيدها ومعرفةُ رجالها وتمييزُ صحيحها من سقيمها ، وهذا كان مهمًا ، وقد كُفيه المشتغل بالعلم بما صُنف وألف من الكتب ، فلا فائدة تدعو إلى تحصيل ما هو حاصل .
والثالث: جمعه وكتابته وسماعه وتطريقه وطلب العلو فيه والرحلة إلى البلدان ؛ والمشتغل بهذا مشتغل عما هو الأهم من علومه النافعة ، فضلًا عن العمل الذي هو المطلوب الأول وهو العبادة ؛ إلا أنه لا بأس [به] للبطالين لما فيه من بقاء سلسلة الاسناد المتصلة بأشرف البشر...0إلى آخر كلامه .
قلت: وفي كلامه مباحث من أوجه: