وحاصل هذا المعنى أن ذلك الحديث وجدَتْ فيه حقيقة شروط الشيخين في التصحيح .
وهذا المعنى هو الشرط الحقيقي للشيخين ، ولكن العمل به متعذر أو كالمتعذر ؛ وذلك لأجل أمور أهمها أن من أهم وأصعب شروط الشيخين هو سلامة الحديث الذي يخرجانه ، من العلة الخفية، وهما يحترزان عن مثل تلك العلة ليتحقق ذلك الشرط، إما بكمال صحة وقوة سند الحديث ، أو بكثرة متابعات الحديث القوية الدالة على كونه محفوظًا سالمًا من القوادح ؛ وهذا لا ينضبط بضوابط واضحة ، ولا يقدر على إدراك خفيات تفاصيله إلا أهل التبحر في هذا العلم الجليل ؛ وفوق ذلك فإن معرفة حكم الشيخين في كل حديث لم يخرجاه ، مما هو محتمل أن يكون على شرطهما ، ليست متيسرة ولا ممكنة ، إلا في حالات قليلة لا تفي بحاجة مستقرئ هذا المقام.
فكان إغفالهما بيان ما أغفلاه من شروطهما - وهو أغلبها أو أخطرها - سببًا في أن لا تُعلم كثير من مسائل تلك الشروط وتفاصيلها إلا على سبيل الظن وجهة الإجمال (1) ، فإن العلماء حاولوا - وما زالوا يحاولون - استنبطوا تلك الشروط باستقراء أحاديث الكتابين ، ومعلوم أن الاستقراء في مثل هذه المطالب لا يفضي إلى التفصيل الكامل ولا يؤدي في كثير من التفاصيل إلى اليقين ؛ ولهذا السبب حصل نوع اختلاف بين المتكلمين على شروط الشيخين .
(1) فمن المعلوم أن لكل واحد من الشيخين - بل ولكل من صنف في الصحيح - شروطًا في العدالة وفي الضبط وفي الاتصال وفي السلامة من الشذوذ والعلة والاضطراب ؛ ومن المعلوم أيضًا أن كل مصنف لا تعرف شروطه إلا بنص منه أو من أصحابه الملازمين له أو باستقراءٍ من غيره لكتابه ؛ ومعلوم كذلك أنه لم ينص الشيخان بوضوح على شيء من شروطهما في كتابيهما ، إلا ما كان من مسلم في بعض ذلك ، فإنه بين شرطه في الاتصال ، ووقع منه أيضًا بعض بيان لشرطه في مراتب الرواة في الجملة .