لكن البخاري رحمه الله كان ربما استعمل هذه الكلمة في تواريخه ، من غير أن يريد إثبات حقيقتها ؛ فقد يقول البخاري في أول ترجمة الراوي: (سمع فلانًا) ، وهو لا يريد إثبات السماع ، وإنما يريد أن يذكر معنى أو مقتضى ظاهر بعض روايات ذلك المترجَم ، فإن في ظاهرها إثباتَ سماعه ؛ ولكن البخاري يعود بعد ذلك فيصرح بعدم صحة ذلك السماع ، أو يشير إلى ذلك - أعني عدم السماع - إشارة فقط ؛ وإشارات البخاري لها معان خطيرة وكثيرة ، فلا بد من استقرائها ومعرفة مراداته بها .
وأما إذا ترجم البخاري للرجل وقال في حق بعض من روى عنهم ذلك الرجل: (سمع منهم) ، وقال في حق آخرين: (روى عنهم) ؛ فهنا يكون السماع على حقيقته ، ويكون معنى قوله (روى عنهم) عدم ثبوت سماعه ممن ذكرهم .
فهذه من إشارات البخاري اللطيفة في (تاريخه الكبير) و (تاريخه الأوسط) أي أنه إذا أراد أن يبين عدم سماع راو من بعض من روى عنهم أو أن يبين شكه في صحة ذلك السماع وتوقفه في إثباته: أن يقول في ترجمته: (عن فلان) ويسمي ذلك الشيخ ، ثم يقول: (سمع فلانًا) ويسمي شيخًا آخر أو شيوخًا آخرين ثبت سماع ذلك الراوي منهم (1) .
(1) لقد تنوعت تعابير الإمام البخاري وإشاراته في (تواريخه) ؛ ومن ذلك أنه قد يستعمل في ترجمة الرجل الواحد عندما يذكر من رووا عنه ، أحيانًا لفظة (سمع منه فلان) ، وأحيانًا لفظة (روى عنه فلان) ، والتفريق مقصود له ؛ وكان من عادته في ذلك أن لا يستعمل (سمع منه فلان) إلا في ما تحققه من السماع أو وجده راجحأ على عدمه ، وهذا ما تقتضيه هذه العبارة ، وليس له ولا لغيره استعمالها في أوسع من هذا المعنى كما هو واضح.
وكذلك كان البخاري رحمه الله ربما يأتي أحيانًا في ترجمة الراوي بكلمة (روى عنه فلان) في المواضع التي اشتهر فيها سماع ذلك المحدث من شيخه ، بحيث لا يكاد يكون في قوله (سمع منه فلان) زيادة في الفائدة على قوله (روى عنه فلان) ، لأن سماع ذلك المحدث عن ذلك الشيخ مما لا يخفى على أهل العلم وطلابه ولا شك عندهم فيه ، فلا يرى ضرورة للتصريح به ، ليبقى للتصريح عند الحاجة إليه دلالتُه وإشارتُه .