العبارة الأولى في حق الرّياحيّ أبي العالية رُفيع ، وهو ثقة رَفيع ، لكن مراسيله رياح ، قال ابن أبي حاتم في (آداب الشّافعيّ ومناقبه) (ص 170) : (ثنا أبي ، ثنا حرملة: سمعت الشّافعيّ يقول: حديث أبي العالية الرّياحيّ رياح(1) ؛ قال أبو حاتم: يعني الذي يُروى عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم في الضّحك في الصّلاة: أنّ على الضّاحك الوضوء) .
العبارة الثانية: رياح بن عبيدة السلمي: قال فيه ابن المنادي: (حديث رياح كالرياح) (2) .
(1) قال ابن حبان في (مشاهير علماء الأمصار) (ص95) في ترجمة أبي العالية الرياحي (697) : (ولم ينصف من زعم أن حديث أبي العالية الرياحي رياح ولم يجعل حديث إبراهيم بن أبي يحيى وذويه رياحًا تهب) ! .
(2) وهذا أسلوب طريف في التجريح ، وهو اشتقاق عبارة الذم أو التجريح من جنس لفظ اسم الراوي المذموم أو المجروح ، وهذا الأسلوب له ، في الجملة ، سلفٌ - أو أصلٌ - من كلام النبي صلي الله عليه وسلم ، فعن أنس رضي الله عنه قال: قنت النبي صلى الله عليه وسلم بعد الركوع شهرًا، يدعو على رعل وذكوان ، ويقول: (عصية عصت الله ورسوله) .
وفيما يلي جملة من كلمات النقاد الجارية على هذه الطريقة:
أبو جابر البياضي:
قال ابن أبي حاتم في (آداب الشافعي ومناقبه(ص167) : (ثنا بن عبد الحكم: سمعت الشافعي وذُكر له أبو جابر البياضي فقال:"بيَّض الله عيني من يروي عنه"، يريد بذلك تغليظًا على من يَكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ) .
وتفسير كلام الشافعي هذا لابن أبي حاتم كما هو مصرَّح به في رواية (الجرح والتعديل) (7/325) ؛ وانظر (لسان الميزان) (7/276 طبعة دار البشائر) .
حرام بن عثمان:
قال ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) (3/282) وفي (آداب الشّافعيّ ومناقبه) (ص166-167) : (نا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: سمعت الشافعي يقول وذُكر له حرام بن عثمان ، فقال: الحديث عن حرام بن عثمان حرام) ؛ ثم قال ابن أبي حاتم في (الآداب) : (يعني أنه ليس بصدوق ، فالتحديث عمن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم حرام) .
وأخرجه من طريق ابن عبد الحكم به أيضًا العقيلي في (الضعفاء) (1/320) وابن عدي في (الكامل) (2/444) ؛ وزاد ابن عدي رواية هذا الأثر من طرق أخرى فقال:
(سمعت محمد بن خالد بن يزيد البردعي يقول: سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول: كل حديث عن حرام حرام .
سمعت أبا عمران بن هانئ يقول: سمعت غندر أحمد بن آدم يقول: سمعت حرملة يقول: قال الشافعي: حرام بن عثمان حرام .
ثنا يحيى بن زكريا بن حيوة ثنا عمر بن عبد العزيز بن مقلاص يقول سمعت أبي يقول: قيل للشافعي: الحديث عن حرام بن عثمان حرام ؟ فقال: الحديث عنه حرام) .
ثم رواه ابن عدي عن ابن معين قوله ، فقال:
(ثنا أحمد بن الحارث بن محمد بن عبد الكريم المروزي سمعت إبراهيم بن يزيد الحافظ يقول: سألت يحيى بن معين عن حرام بن عثمان ؟ فقال: الحديث عن حرام حرام ) .
ثم قال ابن عدي: (سمعت ابن حماد يقول: قال السعدي [هو الجوزجاني] : سمعت من يقول: الحديث عن حرام بن عثمان حرام ، لأنه لم يقتصد) .
مجالد بن سعيد:
قال ابن حبان في (المجروحين) (3/10-11) في مجالد بن سعيد بن عمير: (وكان رديء الحفظ يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل لا يجوز الاحتجاج به ؛ أخبرنا الحسن بن سفيان قال سمعت حرملة بن يحيى قال سمعت الشافعي يقول: الحديث عن حرام بن عثمان حرام ؛ والحديث عن مجالد يجالد [كذا] ،(والحديث عن) أبي العالية الرياحي رياح).
وكلمتا"والحديث عن"المحوَّق عليهما وقعتا في مطبوعة"المجروحين"هكذا:"الحديث وعن"، فاجتهدتُ في تصحيح العبارة ، وإن كان يمكن توجيهها الجملة الأخيرة من الكلام خاصةً بتقدير كلمة محذوفة ، أي يكون تقدير (وعن أبي العالية) هو: (والحديث عن أبي العالية) .
ثم قال ابن حبان: (أخبرنا الزيادي قال حدثنا ابن أبي شيبة قال: سألت يحيى بن معين وسئل عن مجالد بن سعيد فقال: كان ضعيفًا) .
وقوله (سألت) محرَّف عن (سمعت) ، أو هو محفوظ ولكن كلمة (وسئل) الآتية محرفة عن (أو سئل) .
وانظر ترجمة مجالد بن سعيد في (تهذيب الكمال) (27/219-225) .
أبوعصمة نوح الجامع:
قال الحاكم في (المدخل إلى الصحيح) (1/250) (208) : (نوح بن أبي مريم الجامع أبو عصمة القاضي المروزي ، ولقد كان جامعًا ، رُزِق من كل شيء حظًا إلا الصدق فإنه حُرمه نعوذ بالله من الخذلان ) .
وقال أبو نعيم في (الضعفاء) (ص151) (249) : (نوح بن أبي مريم الجامع ، أبو عِصمة ، قاضي مرو ؛ كان جامعًا في الخطأ والكذب ، لا شيء) .
وقال المزي في (تهذيب الكمال) (30/61) في أوساط ترجمته: (وقال ابن حبان: كان يقلب الأسانيد ويروي عن الثقات ما ليس من أحاديث الأثبات ، لا يجوز الاحتجاج به بحال ؛ وقال في موضع آخر: نوح الجامع جمع كل شيء إلا الصدق) .
والجملة الأولى وردت - دون ثانيتها - في ترجمة نوح هذا في (المجروحين) (3/48) .
أما تسميته بالجامع فقد حكى المزي في (تهذيب الكمال) (30/58) عن العباس بن مصعب المروزي قال: (وإنما سمي الجامع لأنه أخذ الرأي عن أبي حنيفة وابن أبي ليلى ، والحديثَ عن حجاج بن أرطاة ومن كان في زمانه ، وأخذ المغازيَ عن محمد بن إسحاق ، والتفسيرَ عن الكلبي ومقاتل ، وكان مع ذلك عالمًا بأمور الدنيا ، فسُمي نوحَ الجامع) .
ثور بن يزيد: قال المزي في (تهذيب الكمال) (4/424) :(وقال علي بن الحسن بن شقيق عن ابن المبارك: سألت سفيان الثوري عن الأخذ عن ثور بن يزيد ؟ فقال: خذوا عنه واتقوا قرنيه ؛ وقال أبو داود السنجي عن عبد الرزاق: سمعت سفيان يُسأل عن ثور بن يزيد ، فقال: خذوا عنه واحذروا قرنيه .
وقال أبو عمير بن النحاس: حدثنا ضمرة عن ابن أبي رواد قال: كان الرجل إذا أتاه قال له: أين تريد؟ إلى الشام؟ قال: إنَّ بها ثورًا فاحذر لا ينطحك بقرنيه)؛ وذكر المزي عن ابن رواد أثرين آخرين بمعنى هذا الأثر .
عطاف بن خالد:
روى أبو عثمان البرذعي عن أبي زرعة في (سؤالاته له) (2/743) قال: (سمعت أبا مسعود يقول: ذكر يومًا يزيدُ بن هارون عطافَ بن خالد ، فقال:"من ثَمَّ عُطِفَ به") ؛ ولم يتبين لي معنى هذه العبارة ، وعطاف صدوق وبعض النقاد وثقوه توثيقًا تامًا .
مأمون بن أحمد:
كتب بعض الفضلاء من إخواننا في بعض المذاكرات: (يُذكر أن الشافعي قال فيه:"مأمون غير مأمون"؛ ولكن ذلك لم يصحّ عن الشّافعيّ ، بل أصل ذلك مجازفة من ابن دحية ، كما شرحه بعض الأفاضل في مقال بيّن فيه أنّه محال ، من نسج الخيال ؛ مع أن مأمونًا لم يكن مأمونًا ) .
ومما يشبه ما نحن فيه ما رواه ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) (2/435) قال: (حدثني أبي نا معاوية بن صالح بن أبي عبيدالله قال: قال أبو مُسْهِرٍ: بَقِية أحاديثه ليس نقية ، فكن منها على تقيّة) ؛ وحكاه المزي في (تهذيب الكمال) (4/198) والذهبي في (ميزان الاعتدال) (2/46) ؛ وروى نحوه عن ابن مسهر ابنُ عدي في ترجمة بقية بن الوليد من (الكامل) (2/46) .
وقال ابن حجر في (لسان الميزان) (2/142-143 بشائر) عقب حديث أورده في ترجمة إسماعيل بن عبد الله الكندي أحد شيوخ بقية: (قال النباتي بعد ذكره:"أحاديث بقية ليست نقية") .
وشبيه بذلك ما رواه العقيلي في (الضعفاء) في ترجمة (جلد بن أيوب) (1/222) (252) عن أحمد بن شبويه قال: (سمعت ابن عيينة يقول: حديث الجلد بن أيوب في الحيض حديثٌ محدَثٌ لا أصل له) .
وربما يدخل فيه أيضًا ما يُروى عن شعبة رحمه الله من قوله"سميت ابني سعدًا فما سعد ولا أفلح"، ذكره الذهبي في (السير) (7/224) .
وقال ابن عدي في (الكامل) (2/48) : (وبلغني عن صالح جزرة أنه وقف على حلقة أبي الحسن السمناني عبد الله بن محمد بن يونس ببخارى وهو يحدث عن بركة ببعض الأحاديث التي ذكرتها فقال صالح: يا أبا الحسن ليس ذي بركة ذي نقمة) .
وقال ابن كثير في (تفسيره) (2/21) عند تفسيره الآية الخامسة من (سورة المائدة) : (وأما المجوس فإنهم وإن أُخذتْ منهم الجزية تبعًا وإلحاقًا لأهل الكتاب، فإنهم لا تُؤكل ذبائحهم ، ولا تُنكح نسائهم ، خلافًا لأبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي أحد الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد بن حنبل ؛ ولما قال ذلك واشتهر عنه أنكر عليه الفقهاء ذلك ، حتى قال عنه الإمام أحمد: أبو ثور كاسمه ، يعني في هذه المسألة) .
هذا مع أن الإمام أحمد كان يثني على أبي ثور فقد ورد في ترجمة أبي ثور من (سير أعلام النبلاء) (12/72-76) ما يلي:
(قال أبو بكر الأعين: سألت أحمد بن حنبل عنه فقال: أعرفه بالسنة منذ خمسين سنة ، وهو عندي في مسلاخ سفيان الثوري) .
(وقد كان أحمد يكره تدوين المسائل ويحض على كتابة الأثر فقال عبدالرحمن بن خاقان: سألت أحمد بن حنبل عن أبي ثور فقال: لم يبلغني عنه إلا خيرٌ، إلا أنه لا يعجبني الكلام الذي يصيّرونه في كتبهم) .
(وقيل: سئل أحمد عن مسألة فقال للسائل: سل غيرَنا، سل الفقهاء، سل أبا ثور) .
(قال الخطيب: كان أبو ثور يتفقه أولا بالرأي ويذهب إلى قول العراقيين ، حتى قدم الشافعيُّ فاختلف إليه ورجع عن الرأي إلى الحديث) .
وكذلك وردت عبارات في التوثيق والتزكية ، ومنها العبارات المذكورة في النقول التالية:
1 -قال البخاري في (صحيحه) (2/571) (1501) في (كتاب الحج: باب: من أين يخرج من مكة) :
(حدثنا مسدد بن مسرهد البصري حدثنا يحيى عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة من كداء من الثنية العليا التي بالبطحاء ويخرج من الثنية السفلى .
قال أبو عبد الله [هو البخاري] : كان يقال: هو مسدد ، كاسمه.
قال أبو عبد الله: سمعت يحيى بن معين يقول سمعت يحيى بن سعيد يقول: لو أنَّ مسددًا أتيتُه في بيته فحدثتُه لاستحق ذلك ؛ وما أبالي كتبي كانت عندي أو عند مسدد).
2 -قال المزي في ترجمة صالح بن جبير من (تهذيب الكمال) (13/25) : (وقال هارون بن معروف عن ضمرة عن رجاء بن أبي سلمة: قال عمر بن عبد العزيز: ولَّينا صالح بن جبير فوجدناه كاسمه) .
3 -قال الرافعي في (التدوين في أخبار قزوين) (3/92) : (صالح بن عمر بن نوح الأديب أبو عبد الله المنهاجى القزويني: صالح كاسمه ، قنوع محتاط ، كتب الكثير من كل فن ، وكان مواظبًا على سماع الحديث) .
4 -قال أبو نعيم في (حلية الأولياء) (2/161) : (فأما أبو محمد سعيد بن المسيب بن حزن المخزومي كان من الممتحنين ، امتحن فلم تأخذه في الله لومة لائم، صاحب عبادة وجماعة وعفة وقناعة ، وكان كاسمه ، بالطاعات سعيدًا، ومن المعاصي والجهالات بعيدا) .
5 -قال الرافعي أيضًا (2/413) : (الحسن بن عبد الرزاق بن محمد بن علي بن خسروماه أبو محمد الشاهد كان كثير العبادة والتهجد ، هديُه كاسمه، سمع الكثير من علي بن محمد بن مهرويه و) .
6 -قال المزي في (تهذيب الكمال) (4/346) : (وقال أبو طالب: سألت أحمد بن حنبل ، قلت: ثابت أثبت أو قتادة ؟ قال: ثابت يتثبت في الحديث ، وكان يقص ، وقتادة كان يقص ؛ وكان أذكَرَ ، وكان محدثًا من الثقات المأمونين ، صحيح الحديث)
وقال الذهبي في (ميزان الاعتدال) (2/81-82) : (ثابت بن أسلم البناني: ثقة بلا مدافعة ، كبير القدر ، تناكدَ ابن عدي بذكره في"الكامل") إلى أن قال: (قلت: وثابت ثابت كاسمه ، ولولا ذكر ابن عدي له ما ذكرته) ؛ انتهى ، وأما معنى التناكد هنا فهو التشدد الذي ليس في محله والتضييق والتعسير ؛ ففي (المعجم الوسيط) (2/960) :
(ناكده: عاسره وغالبه في المضايقة .
نكَّده: جعله نَكِدًا ، يقال: نكَّد عطاءَه بالمنّ .
تناكد القومُ: تعاسروا وضايق بعضهم بعضا) .