وإذا علمنا ما تقدم أول هذا الفصل من التيسير مع ما تقدم (ص20 و21 و32) وعلمنا ما دلت عليه القواطع أن النبي صلى الله عليه وسلم مبيِّن لكتاب الله ودينه ، بقوله وفعله، وأن كل ما كان منه مما فيه بيان للدين فهو خالد بخلود الدين إلى يوم القيامة، وأن الصحابة مأمورون بتبليغ ذلك في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته (راجع ص12 و36 و45 و49) وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرهم بكتابة الأحاديث وأقرهم على عدم كتابتها، بل قيل إنه نهاهم عن كتابتها كما مر، بما فيه، ومع ذلك كان يأمرهم بالتبليغ لما علموه وفهموه، وعلمنا أن عادة الناس قاطبة فيمن يُلقى إليه كلام المقصود منه معناه ويؤمر بتبليغه، أنه إذا لم يحفظ لفظه على وجهه وقد ضبط معناه لزمه أن يبلغه بمعناه ولا يعدّ كاذبًا ولا شبه كاذب، علمنا يقينًا أن الصحابة إنما أمروا بالتبليغ على ما جرت به العادة: من بقي منهم حافظًا للَّفظ على وجهه فليؤده كذلك، ومن بقي ضابطًا للمعنى ولم يبق ضابطًا للَّفظ فليؤده بالمعنى.
هذا أمر يقيني لا ريب فيه، وعلى ذلك جرى عملهم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وبعد وفاته.
فقول أبي رية"لما رأى بعض الصحابة [أن يرووا للناس من أحاديث النبي، ووجدوا أنهم لا يستطيعون أن يأتوا بالحديث عن أصل لفظه] .. استباحوا لأنفسهم أن يرووا على المعنى)، إن أراد أنهم لم يؤمروا بالتبليغ ولم يُبح لهم أن يرووا بالمعنى إذا كانوا ضابطين له ، دون اللفظ، فهذا كذب عليهم وعلى الشرع والعقل ، كما يُعلم مما مر."