قال الشيخ المحقق أبو محمد الألفي الاسكندري في بحث لطيف كتبه لملتقى أهل الحديث بعنوان ( إتحاف الأريب بمعنى قول الترمذى حسن غريب ) : ( وبعد .. فإنَّ(جامع الترمذى ) كتاب على أكف القبول مرفوع ، وفن الحديث في طياته مبثوث لا مقطوع ولا ممنوع ، أعجز من أتى بعده عن تحصيله ، وأخمل همم النقاد الكملة عن تأويله أو تكميله .
فقد عُنى ببيان مرتبة الحديث من الصحة والضعف ، ولكنه ذكر اصطلاحات زائدة عما ذكرها أهل الاصطلاح ، وعن ذلك استشكل الحفاظ بعده جملة ً من أحكامه على درجات الأحاديث ومراتبها ! .
ومما وقع في كلام الترمذي في ثنايا بيانه مراتب الأخبار ، زائدًا عما ذكره أهل الاصطلاح ؛ قوله ( حسن غريب ) .
واستشكل جماعة من أهل الاصطلاح اجتماع الغرابة والحسن في حديثٍ واحدٍ ، وهذا باعتبار تعريف الغريب عندهم بأنه ( الحديث الذي يتفرد به راوٍ، إما في متنه أو في إسناده أو هما معًا ) ، وباعتبار تعريف الحسن عند الترمذي على ما أصلَّه في ( العلل الصغير ) بقوله: ( وما ذكرنا في هذا الكتاب حديث حسن ، فإنما أردنا حسن إسناده عندنا ، وهو كلُّ حديثٍ لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب ، ولا يكون شاذًا ، ويروى من غير وجهٍ نحو ذاك ، فهو عندنا حديث حسن ) (1) .
(1) قال شيخ الاسلام ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) (24/351-352) في معرض دفاعه عن بعض الأحاديث:
( الوجه الثالث: أن يقال: قد رُوي من وجهين مختلفين أحدهما عن ابن عباس ، والآخر عن أبي هريرة ، ورجال هذا ليس رجال هذا ، فلم يأخذه أحدهما عن الآخر ، وليس في الإسنادين من يتهم بالكذب وإنما التضعيف من جهة سوء الحفظ ؛ ومثل هذا حجة بلا ريب ؛ وهذا من أجود الحسن الذى شرَطَه الترمذيُّ، فإنه جعل الحسن ما تعددت طرقه ولم يكن فيها متهمٌ ، ولم يكن شاذًا أي مخالفًا لما ثبت بنقل الثقات.
وهذا الحديث تعددت طرقه ، وليس فيه متهم ، ولا خالفه أحد من الثقات ، وذلك أن الحديث إنما يُخاف فيه من شيئين: إما تعمد الكذب ، وإما خطأ الراوي؛ فإذا كان من وجهين لم يأخذه أحدهما عن الآخر وليس مما جرت العادة بأن يتفق تساوي الكذب فيه عُلم أنه ليس بكذب، لا سيما إذا كان الرواة ليسوا من أهل الكذب).