قلت: أخشى أن يكون المراد هنا بكلمة (ثقة) إثبات العدالة المنافية للكذب والاتهام ، مع إثبات أدنى درجات التوثيق ؛ يقوي ذلك أنه عطف عليه قوله (وليس بحجة) ، أي ليس هو ممن يحتج به ؛ وليس من المتبادر أن ابن معين أراد أن ينفي عن ابن اسحاق كونه من كبار الحفاظ الأثبات المتقنين فإن ذلك النفي معلوم مشهور وليس بابن معين ولا بطلاب العلم يومئذ حاجة إلى التصريح به ، قال الذهبي في (تذكرة الحفاظ) (1/173) في محمد بن إسحاق: (وكان أحد أوعية العلم ، حَبرًا في معرفة المغازي والسير ، وليس بذاك المتقن فانحط حديثه عن رتبة الصحة ، وهو صدوق في نفسه مرضي ، قال يحيى بن معين: قد سمع من أبي سلمة بن عبد الرحمن وأبان بن عثمان ، وقال: هو ثقة وليس بحجة) ؛ وقال في (من تُكلم فيه وهو موثق) (ص159) (293) : (محمد بن إسحاق بن يسار على صدوق قال ابن معين ثقة وليس بحجة) .
فالظاهر أن مقتضى صنيع الذهبي أنه فهم من كلمة (ثقة) في عبارة ابن معين إثبات العدالة مع شيء من حفظٍ لا ينزل به الراوي إلى درجة المتروكين والضعفاء ؛ ولكن يعكّر على هذا أنه قد ورد النقل عن ابن معين بسياق آخر يشعر بأن المراد بكلمة ثقة وحجة معناهما الاصطلاحي .
فقد قال أبو زرعة الدمشقي في (تاريخه) (1/460-461) - وأخرجه عنه الخطيب في (تاريخه) (1/232) -: (قلت ليحيى بن معين ، وذكرت له الحجة ، فقلت له: محمد بن إسحاق منهم ؟ فقال: كان ثقة ، إنما الحجة عبيد الله بن عمر ، ومالك بن أنس ، والأوزاعي ، وسعيد بن عبد العزيز) .
وقال أبو زرعة أيضًا (1/462) : (فقلت ليحيى بن معين: فلو قال رجل: إن محمد بن إسحاق كان حجة ، كان مصيبًا ؟ قال:(لا ، ولكنه كان ثقة) .