(الوصف بالحفظ على الإطلاق ينصرف إلى أهل الحديث خاصةً ، وهو سمةٌ لهم لا تتعداهم ، ولا يوصف بها أحد سواهم ، لأن الراوي يقول: نا فلان الحافظ ، فيحسن منه إطلاق ذلك إذ كان مستعملًا عندهم ، يوصف به علماء أهل النقل ونقادهم ؛ ولا يقول القارئ: لقنني فلان الحافظ ، ولا يقول الفقيه: درسني فلان الحافظ ، ولا يقول النحوي: علمني فلان الحافظ ؛ فهي أعلى صفات المحدثين ، وأسمى درجات الناقلين ؛ مَن وُجدت فيه قُبلت أقاويلُه وسُلِّم له تصحيحُ الحديث وتعليلُه ، غير أن المستحقين لها يقل معدودهم ويعز بل يتعذر وجودهم ، فهم في قلتهم بين المنتسبين إلى مقالتهم أعز من مذهب السنة بين سائر الآراء والنحل ، وأقل من عدد المسلمين في مقابلة جميع أهل الملل) .
ثم أخرج عن أبي بكر بن عياش أنه قال: (السنة في الإسلام كالإسلام في الشرك) ؛ وأخرج عنه رواية أخرى بلفظ (السنة في الإسلام أعز من الإسلام في سائر الأديان) ؛ ثم قال:
(ولقلة من يوجد من أهل الحفظ والإتقان قيل إن احدهم يولد بعد برهة من الزمان) ؛ ثم أخرج عن أبي معشر أنه قال: (الحافظ يولد في الزمان) ، وعن هشيم أنه قال: من يحفظ الحديث قليل ، ثم قال: هم أقل من ذاك) .
قال الخطيب عقب ذلك: