قد يقال: إن كان المراد بثبوت العدالة أن يتقدم التعديل والحكم به والعمل بحسبه على الجرح ، فهذا إنما يكثر في الشهود ؛ وإن كان المراد بثبوتها حصول تعديل على أي حال كان ، فهذا لا وجه له ، فقد تقدم في القاعدة السادسة ما يعلم منه أن التعديل يتفاوت ، ويحتمل كثير منه الخلل كما يحتمله الجرح الذي لم يشرح كل الشرح أو أشد ، ومن تتبع صنيع أهل العلم تبين له أنهم كثيرًا ما يقدمون الجرح الذي لم يشرح كل الشرح على التوثيق ، كما في حال ابراهيم بن أبي يحيى والواقدي وغيرهما ؛ وكثيرًا ما يقع للبخاري وغيره القدح فيمن لم يدركوه وقد سبق أن عدله معدل أو أكثر ، ولم يسبق أن جرحه أحد .
فأقول: الذي يتحرر أن للعدالة جهتين:
الأولى: استقامة السيرة وثبوت هذا بالنظر إلى هذه القاعدة تظهر فيمن تظهر عدالته [كذا] ويعدل تعديلًا معتمدًا وتمضي مدة ثم يجرح ؛ فأما ما عدا ذلك فالمدار على الترجيح ، وقد مر في القاعدة السابقة .
الجهة الثانية: استقامة الرواية ، وهذا يثبت عند المحدث بتتبعه أحاديث الراوي واعتبارها وتَبَيُّنِ أنها كلها مستقيمة تدل على أن الراوي كان من أهل الصدق والأمانة ؛ وهذا لا يتيسر لأهل عصرنا لكن إذا كان القادحون في الراوي قد نصوا على ما أنكروه من حديثه بحيث ظهر أن ما عدا ذلك من حديثه مستقيم فقد يتيسر لنا أن ننظر في تلك الأحاديث (1) ؛ فإذا تبين أن لها مخارج قوية تدفع التهمة عن الراوي فقد ثبتت استقامة روايته .
وقد حاولت العمل بهذا في بعض الآتين في قسم التراجم كالحارث بن عمير والهيثم بن جميل .
(1) يعني التي استنكروها.