بقي معنى آخر للتلقين ، وهو قراءة الحديث على الشيخ الذي لا يحفظ حديثه أو نسيه بعد أن كان يحفظه من غير أن ينظر في أصله حال قراءتهم عليه ؛ فقد قال ابن رجب في (شرح علل الترمذي) (1/510- ) عقب أشياء ذكرها في مسألة العرض على الشيخ: (وهذا يرجع إلى أصل: وهو أن الضرير والأمي إذا لم يحفظا الحديث فإنه لا تجوز الرواية عنهما ، ولا تلقينهما ، ولا القراءة عليهما من كتاب ؛ وقد نص على ذلك أحمد - في رواية عبد الله - في الضرير والأمي: لا يجوز أن يحدثا إلا بما يحفظان ، وقال:"كان أبو معاوية الضرير إذا حدثنا بالشيء الذي نرى(1) أنه لا يحفظه يقول: في كتابي كذا وكذا ، ولا يقول: ثنا وسمعت".
وكذلك قال يحيى بن معين في الضرير والأمي ، نقله عنه عبد الله بن أحمد ، وعباس الدوري .
وقال أبو خيثمة:"كان يعاب على يزيد بن هارون أنه كان بعد ما أضر يأمر من يلقنه حديثه من كتابه ويتحفظه".
وأنكر طائفة على من كان يكتب من كتب موسى بن عبيدة الربذي ثم يقرؤها عليه ، وكان أعمى .
وذكر ابن المديني عن أبي معاوية الضرير أنه قال:"ما سمعته من الشيخ وحفظته عنه قلت: ثنا ، وما قرئ عليّ من الكتب قلت: ذكر فلان".
وكان عبد الرزاق يتلقن ممن يثق به ، كما كان يزيد بن هارون يفعله .
وعلى قول هؤلاء يجوز العرض على الشيخ ، وإن كان ضريرًا لا يحفظ ، أو أميًا لا كتاب بيده ، إذا كان العرض ممن يوثق به .
وقد رخص ابن معين في السماع ممن يتلقن إذا كان يعرف حديثه ، ويعرف ما يدخل عليه ، فإن لم يعرف ما يدخل عليه فإنه كرهه .
وحاصل الأمر أن الناس ثلاثة أقسام:
حافظ متقن يحدث من حفظه ، فهذا لا كلام فيه .
وحافظ نسي فلقن حتى ذكر أو تذكر حديثه من كتاب ، فرجع إليه حفظه الذي كان نسيه ، وهذا أيضًا حكمه حكم الحافظ ، وكان شعبة أحاينًا يتذكر حديثه من كتاب .
(1) كذا في المطبوعة ، ولا أستبعد أنها مصحفة عن (يرى) ، فكلتا اللفظتين محتملة .