أي عناوين أبواب كتابه (الصحيح) ؛ وقد اشتهر بين العلماء دقة البخاري في اختيار تراجم كتابه ولطف إشاراته بها ، فهو يشير بالترجمة مرة إلى حكم أو اختيار فقهي وتارة إلى معنى حديثي نقدي ، وتارة إلى فائدة أخرى مستنبطة ؛ وهذا الأمر كان أحد أسباب صعوبة شرح هذا الكتاب الجليل ، حتى قال ابن خلدون رحمه الله في (المقدمة) (ص309 - طبعة دار الشعب) : (فأما صحيح البخاري - وهو أعلاها رتبة - فاستصعب الناس شرحه واستغلقوا منحاه من أجل ما يحتاج إليه من معرفة الطرق المتعددة ورجالها من أهل الحجاز والشام والعراق ومعرفة أحوالهم واختلاف الناس فيهم ؛ وكذلك يحتاج إلى إمعان النظر في التفقه في تراجمه ، لأنه يترجم الترجمة ويورد فيها الحديث بسند أو طريق ، ثم يترجم أخرى ويورد فيها ذلك الحديث بعينه لما تضمنه من المعنى الذي ترجم به الباب ؛ وكذلك في ترجمة وترجمة إلى أن يتكرر الحديث في أبواب متفرقة بحسَب معانيه واختلافها ، ومن النظر في تراجمه لبيان المناسبة بين الترجمة والحديث التي في ضمنها ، فقد وقع له في كثير من تراجمه خفاء المناسبة بينها وبين الأحاديث التي في ضمنها ، وطال كلام الناس في بيانها ؛ ومَن شرحه ولم يستوف هذا كله فيه فلم يوفِّ حق الشرح كابن بطال وابن المهلب وابن التين ونحوهم ؛ ولقد سمعت كثيرًا من شيوخنا رحمهم الله يقولون: شرح كتاب البخاري دَينٌ على الأمة ، يعنون أن أحدًا من علماء الأمة لم يوفِّ ما يجب له من الشرح بهذا الاعتبار) .
أقول: لا شك أن الأمة بمجموعها وفَّت هذا الدين ، أعني أن في مجموع ما كتبته الأمة من شروح للبخاري كفاية ووفاءً ، ولكن ذلك مفرق في بطون الكتب المخطوطة والمطبوعة ، ومنه ما ضاع ؛ ومن أحسن ما كتبه العلماء في شرح صحيح البخاري (فتح الباري) لابن رجب ، ولكنه لم يتم ، و (فتح الباري) لابن حجر ، وكلُّ الصيد في جوف الفَرا .