فهرس الكتاب

الصفحة 457 من 1631

وأما المكروهات فقد ورد في النصوص الشرعية وأصول الدين ترغيب في اجتنابها ، فإنَّ في اجتنابها ثوابًا لمن يجتنبها ، والتحقيق أن ترك المكروهات لوجه الله هو في الحقيقة داخل في جملة الحسنات والأعمال الصالحة ، ومثله ترك المباحات بقصد التفرغ للطاعات والتقوّي عليها ، وكذلك فِعلها - أي المباحات - بقصد التقوي على الطاعات: كل ذلك يثاب عليه المرء لأنه عملٌ صالح ، وإنما الأعمال بالنيات .

هذا وإنَّ أحاديث الترغيب والترهيب تسمى اختصارًا أحاديث الفضائل .

وقد كانت هذه التسمية واحدًا من جملة أسبابٍ أوقعت كثيرًا من أهالي العصور المتأخرة في لبس شديد وغلط بعيد ، في هذا الباب ؛ فقد خلط أكثر العامة وكثير من أشباههم ممن يعدون أنفسهم في جملة طلبة العلم الشرعي بين فضائل الأعمال والأعمال الفاضلة ، ففهموا ما قاله كثير من العلماء من أن الحديث الذي فيه ضعف غير شديد وهو غير منكر يعمل به إذا كان واردًا في فضائل الأعمال ، أي في الترغيب والترهيب المتقدم معناهما ، وإنما مرادهم بذلك ما أسلفتُه ، ولكن هؤلاء ظنوا - جهلًا - أن معنى"فضائل الأعمال"هو"الأعمال الفاضلة"، فصارت القاعدة التي لخص فيها بعض أهل العلم مذهب الأئمة في الأحاديث الضعيفة ، والتي نصها (يعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال) ، أقول: صار معنى هذه القاعدة عند هؤلاء الجهلة والمتساهلين: (يعمل بالحديث الضعيف في بيان الأعمال الفاضلة) ، وبعبارة أخرى: (الحديث الضعيف يثبت به حكم الوجوب وحكم الاستحباب ، للأعمال ، لأن الأعمال الواجبة والأعمال المستحبة: أعمال فاضلة) ، وهذا خلط ليس بعده خلطٌ أشد منه ولا أعجب ؛ وهكذا نَجَمت كثير من البدع ، ونُصرت كثير من الضلالات ، وأُميتت كثير من السنن ، وكيدت كثير من الحقوق ، والله وحده المستعان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت