فهرس الكتاب

الصفحة 394 من 1631

(وحينئذ فيستحب له تحقيق الخط ، وهو أن يميز كل حرف بصورته المميِّزة له ، بحيث لا تشتبه العين الموصولة بالفاء أو القاف ، والمفصولة بالحاء أو الخاء ؛ وقد قال علي رضي الله عنه لكاتبه: أطل جلفة قلمك وأسمنها ، وأيمن قطتك وحرِّفها ، وأَسْمعني طنين النون وخرير الخاء ، أسمن الصاد وعرج العين ، واشقق الكاف ، وعظم الفاء ، ورتل اللام ، واسلس الباء والتاء والثاء ، وأقم الواو على ذنبها ، واجعل قلمك خلف أذنك فهو أجود لك ؛ رواه الخطيب وغيره(1) .

وليس المراد أن يصرف زمنه في مزيد تحسينه وملاحة نظمه ، لحصول الغرض بدونه ، بل الزمن الذى يصرفه في ذلك يشتغل فيه بالحفظ والنظر ؛ وليست رداءة الخط التي لا تفضي إلى الاشتباه بقادحة ، إنما القادح الجهل ؛ ولذا بلغنا عن شيخنا العلامة الرباني الشهاب الحِنّاوي أن بعضهم رآه يلازم بعض الكُتّاب في تعلم صناعته ، فقال له: أراك حسن الفهم فأقبلْ على العلم ودع عنك هذا ، فإن غايتك فيه أن تصل لشيخك ، وهو كما ترى معلم كتاب ، أو نحو هذا ، وأوشك إن اشتغلت بالعلم تسود في أسرع وقت ؛ قال: فنفعني الله بذلك ، مع براعته في الكتابة أيضًا .

ونحوه من رأى البدر البَشْتَكي عند بعض الكتاب ورأى قوة عصبه وسرعة كتابته ، فسأله: كم تكتب من هذا كل يوم ؟ فذكر له عدة كراريس ؛ فقال له: الزم هذا وأترك عنك الاشتغال بقانون الكتاب ، فإنك - ولو ارتقيت - لا تنهض في الكتابة كل يوم بما تحصله من كتابتك الآن ؛ فأعرض عن التعلم ففاق في سرعة الكتابة .

ومحل ما زاد على الغرض من ذلك محل ما زاد على الكلام المفهوم من فصاحة الألفاظ ؛ ولذلك قالت العرب: حُسن الخط إحدى الفصاحتين ؛ وما أحسن قول القائل:

اعذر أخاك على رداءة خطه**واغفر رداءته لجودة ضبطه

والخط ليس يراد من تعظيمهونظامه إلا إقامة سمطه

فإذا أبان عن المعاني خطُّهكانت ملاحتُه زيادةَ شرطه).

(1) ينظر سنده ، فإن هذا المتن لا يخلو من غرابة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت