فهرس الكتاب

الصفحة 319 من 1631

وقال السخاوي في (فتح المغيث) (3/249-250) : (ومن فوائده اعتناء الراوي بطرق الحديث وشواهده ومتابعه وعاضده ، بحيث بها يتقوى ، ويثبت لأجلها حكمه بالصحة أو غيرها، ولا يتروّى [كذا] ؛ ويُرتّب عليها إظهار الخفي من العلل ، ويهذب اللفظ من الخطأ والزلل ، ويتضح ما لعله يكون غامضًا في بعض الروايات ، ويفصح بتعيين ما أُبهم أو أُهمل أو أدرج ، فيصير من الجليات ، وحرصه على ضبط غريب المتن والسند ، وفحصه عن المعاني التي فيها نشاط النفس بأتم مستنَد ، وبعد السماع فيها عن الخطأ والتصحيف ، الذي قلَّ أن يعرى عنه لبيب أو حصيف(1) ، وزيادة التفهم والتفهيم لكل من حضر، من أجل تكرر المراجعة في تضاعيف الإملاء والكتابة والمقابلة على الوجه المعتبر، وحوز فضيلتي التبليغ والكتابة ، والفوز بغير ذلك من الفوائد المستطابة ، كما قرَّره الرافعي وبيّنه، ونشَره وعيّنه .

يقال: أمليت الكتاب إملاء، وأمللت إملالًا، جاء القرآن بهما جميعًا قال تعالى: { فليملل وليه} (2) ، فهذا من"أملَّ"، وقال تعالى: {فهي تملى عليه} (3) ، فهذا من"أملى"؛ فيجوز أن تكون اللغتان بمعنى واحد ، ويجوز أن يكون أصل أمليت"أمللت"، فاستثقل الجمع بين حرفين في لفظ واحد فأبدلوا من أحدهما ياء، كما قالوا: تظنيت (4) ، يعني حيث أبدلوا من إحدى النونين ياء ، فقالوا: التظني، وهو إعمال الظن (5) .

(1) هو العاقل الحكيم الفطن .

(2) سورة البقرة (284) .

(3) سورة الفرقان (5) .

(4) أثبت الشيخ علي حسين علي في مطبوعته (تظننت) ، وأشار في الهامش إلى أن في بعض النسخ (تظنيت) ، قلت: ولعله الصواب ، والظاهر أنه مقتضى سياق السخاوي وإيراده لهذا التشبيه ، فتأملْه .

(5) قال ابن قتيبة في (أدب الكاتب) (ص376) : (باب إبدال الياء من أحد الحرفين المثلثين إذا اجتمعا:

"تظنيت"من الظن ، وأصله تظننت ، قال العجاج:

تَقَضِّيَ البازي إذا البازي كسر

أراد تقضض .

وقال الله عز وجل: {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} [الأنفال 35] ، قال أبو عبيدة: المكاء: الصفير ، والتصدية: التصفيق ورفع الأصوات ، وأصله من صَدَدْتُ أَصِدُّ ، ومنه قول الله عز وجل { إذا قومك منه يصدون } [الزخرف 57] ، أي يضِجّون ويَعِجّون ، فجعل إحدى الدالين ياء .

و"لبَّيْكَ"هو من"ألبَّ بالمكان"، إذا أقام به ، فأبدل من إحدى الباءين ياء .

قال أبو عبيدة:"دسّاها"من"دسَّسْتُ"، وتمطى أصله تمطَّط ، أي مد يده ، ومنه المِشْية المُطَيطاء ، وهي التبختر .

أمللْتُ الكتابَ وأمليته ، قال الله جل ثناؤه: {فليملل وليه بالعدل} [البقرة 282] ، وقال في موضع آخر: {فهي تملى عليه بكرة وأصيلا} [الفرقان 5] .

وقال ضياء الدين ابن الأثير في (المثل السائر) (1/291) : (واعلم أن العرب الذين هم الأصل في هذه اللغة قد عدلوا عن تكرير الحروف في كثير من كلامهم ، وذاك أنه إذا تكرر الحرف عندهم أدغموه استحسانًا ، فقالوا في"جعلَ لَك":"جعلَّك"، وفي"تضربونَني": تضربونِّي ؛ وكذلك قالوا: استعد فلان للأمر"، إذا تأهب له ، والأصل فيه"استعدَدَ"، و"استتبَّ الأمرُ"، إذا تهيأ ، والأصل فيه"استتْبَبَ"، وأشباه ذلك كثير في كلامهم ، حتى أنهم لشدة كراهتهم لتكرير الحروف أبدلوا أحد الحرفين المكررين حرفًا آخر غيره ، فقالوا:"أمليت الكتاب"، والأصل فيه"أمللْتُ"، فأبدلوا اللام ياءً ، طلبًا للخفة وفرارًا مِن الثقل ) ؛ ثم قال: (وإذا كانوا قد فعلوا ذلك في اللفظة الواحدة ، فما ظنك بالألفاظ الكثيرة التي يتْبع بعضُها بعضًا؟) ؛ وانظر ما تعقب به بعضَ كلامه صاحبُ (صبح الأعشى) (2/294 فما بعدها) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت