ومنها ما لا يلتبس حالةَ الإفراد ، فإذا رُكِّب ووُصل بغيره التبس ، كالنون والقاف ، فإن النون في حالة الإفراد منفردة بصورة ، فإذا رُكبت مع غيرها في أول كلمة أو وسطها اشتبهت بالباء وما في معناها ؛ والقاف إذا كانت منفردة لا تلتبس ، فإذا وُصلت بغيرها أولًا أو وسطًا التبست بالفاء ، فاحتيج إلى مميِّز يميز بعض الحروف من بعض ، من نقط أو إهمال ، ليزول اللبس ويذهب الاشتراكُ .
قال الشيخ أثير الدين أبو حيان: ولذلك ينبغي أن القاف والنون إذا كُتبا في حالة الإفراد على صورتهما الخاصة بهما لا يُنقطان ، لأنه لا شَبَهَ بينهما ولا يُشبهان غيرهما فيكونان إذ ذاك كالكاف واللام ؛ قال: ومنع بعضُ مشايخنا الاشتراك في صورة الحروف وقال: الصورة والنقط مجموعهما دالٌّ على كل حرف .
إذا تقرر ذلك فالنَّقْط مطلوب عند خوف اللبس ، لأنه إنما وُضع لذلك ؛ أما مع أمن اللبس فالأَولى تركُه لئلا يُظلم الخطُّ من غير فائدة ؛ فقد حكي أنه عُرض على عبدالله بن طاهر خطُّ بعضِ الكُتّاب فقال: ما أحسنه لولا أنه أكثَرَ شُونيزَهُ (1) .
وقد حكى محمد بن عمر المدائني أن جعفرًا المتوكل كتب إلى بعض عُمّاله أن أَحصِ مَن قِبلك من المدنيين وعرفنا بمبلغ عددهم فوقع على الحاء نقطة فجمع العامل من كان في عمله منهم وخصاهم فماتوا غير رجلين أو واحد (2) .
(1) الشونيز والشينيز والشونوز: الحبة السوداء ، وهي فارسية الأصل ، والمقصود أنه أكثر نقاطه ؛ راجع (القاموس المحيط) (2/185) .
(2) الرواية المعروفة غير هذه ، فقد روى العسكري في (تصحيفات المحدثين) (1/71) قال:(أخبرنا محمد بن يحيى حدثني يحيى بن علي عن حماد بن إسحاق قال: كتب سليمان بن عبد الملك إلى ابن حزم أن أحْصِ مَن قِبَلك من المخنثين ، فصحف كاتبه فقرأ اخص من قبلك من المخنثين ؛ قال: فدعاهم فخصاهم وخصى الدلال فيمن خصى .
قلت أنا: وقد روي هذا الخبر على خلاف هذا )؛ ثم ذكر العسكري رواية أخرى لهذه القصة .