ولا بد من التزام مراعاة الموازنة في أثناء البحث والاستقراء وفيما ينتهيان إليه ؛ فلا يصح اعتبار ودراسة الألفاظ مجردة عن ملاحظة مرتبة الناقد ومنزلته بين أهل الفن ، وقواعد فيه ؛ ولا مجردة عن مراعاة أصل مرتبة الناقد ومنزلته بين العلماء .
لا يستقيم أن يكون من مقتضيات تلك الدراسة وما ينبني عليها: تغيير ما قد علم واشتهر وتحقق من مرتبة ذلك الناقد ومنزلته بين أهل فنه ولو إجمالًا ؛ فلا يجمح البحث بالباحث إلى أحكام وشروحات للألفاظ الاصطلاحية مقتضية أو مفهمة خلاف حال ذلك الناقد ؛ مثل أن يكون مقتضاها أنه ضعيف في الفن أو مخالف لجمهور المحدثين ولأهل اللغة في أمر سهل واضح بين ، مع أن الواقع خلاف ذلك .
وكذلك لا يقصر به من البحث ويمنعه من نتائج جديدة كل ما اشتهر من حال الناقد .
فمثلًا الترمذي اشتهر أنه متساهل في التحسين ، فإذا أردت استقراء مصطلح التحسين عند الترمذي ، فإنه لا يصح أن تمتنع من أن تسلم لنتيجة أخرى قد ينتهي إليه البحث مثل كون الترمذي معتدلًا وهو أحد أئمة العلل ، ولكن التحسين عنده له معنى آخر ، أو معانٍ أخرى ، فليس هو في الجملة بالمعنى المشهور عند المتأخرين ، وهو القسم الثاني من أقسام الأحاديث الصحيحة أو المحتج بها .
ولكن لا يصح أن ينتهي بك البحث إلى أن الترمذي كان أعلم من البخاري وأحمد وأضرابهما ولا إلى أن الترمذي ليس من أهل النقد ولا يحسن منه إلا شيئًا يسيرًا ، وأنه كثير الأوهام جدًا في أحكامه وأن تساهله فيها مفرط عجيب .
والحاصل أنه لا يصح اصطلاحات العالم على معان غريبة بعيدة من أجل وصفه بالاعتدال ونحوه ، ولا يصح أن يكون حمل اصطلاح العالم على معنى قريب أو مساو لمعنى الجمهور ذريعةً أو علة لوصفه بفحش التساهل أو قوة التشدد ؛ مع أن المعروف عنه والثابت في حقه غير ذلك .