وبعبارة أخرى: ليس كل اختلاف في كلمات الناقد في الراوي الواحد يصح أن يحمل على تساوي هاتين الكلمتين في المعنى ؛ فيجعل الاختلاف لفظيًا ؛ بل الناقد الواحد يقع منه أحيانًا ، بل قد يكثر منه ، أن تختلف أحكامه في الراوي الواحد ؛ أعني تختلف عباراته اختلافًا معنويًا ؛ ولذلك الاختلاف أسبابه وتوجيهاته ؛ كما يأتي بعد قليل .
نعم قد يشذ بعضهم أحيانًا قليلة فيما يستعمل له بعض الكلمات من المعاني ، فيكون الخلاف بين عباراته في الراوي الواحد لفظيًا ؛ ولكن ذلك قليل ؛ فلا بد من التثبت والمبالغة في التفتيش والاستقراء ، فإن علم أن الاختلاف معنوي حكمنا به ووجهناه التوجيه اللائق بحال ذلك الناقد وحال ذلك الراوي ؛ وإن عُلم أنه اختلاف لفظي حملنا معنى إحدى الكلمتين على معنى الكلمة الأخرى ، ووجهنا ذلك أيضًا ؛ ولكن ليعلم أنه لا يلزم من هذا الحمل هنا المساواة بين تلك اللفظتين عند ذلك الناقد مطلقًا حيث وردتا ؛ فهذا اللازم باطل .
فليس اختلاف معنى الاصطلاحات عند الناقد هو السبب الوحيد في ما قد يظهر من اختلاف بين كلماته في راو بعينه ؛ ولكن من علم أوجه وأسباب ما قد يقع من اختلاف أقوال الناقد في راو بعينه اتسع له ما كان ضيقًا من مجال توجيه ذلك الاختلاف وبان له ما كان خفيًا من حقائقه ، ولم يقتصر على ما يفعله كثير من المتأخرين من الاسترواح عند اختلاف كلمات الناقد في الراوي إلى الجمع بينها بحمل بعضها على خلاف معناها المصطلح عليه ويبالغ في ذلك ويكثر منه .
إن هذه المسألة اقتضت مني هنا نوعًا من الاستطراد بذكر أسباب اختلاف أحكام أو كلمات الناقد في رواة معينين ، فأقول - وبالله التوفيق:
إن اختلاف الثقة المكثر المعتمد من النقاد في الحكم على الراوي الواحد ، هو في الحقيقة أمر هين له أسبابه التي من علمها عذره وفهم مسلكه في هذه المسألة .