و ( أهل الاصطلاح ) : هم الذين أنشأوا ذلك العلم ، ووضعوا قواعده وضوابطه وتواضعوا على أسماء لأفراده ( وهي المصطلحات ) ، وتتموا بناء علمهم . فلم يبقَ لمن جاء بعدهم إلا تلقي هذا العلم عنهم ، وأخْذ معاني مصطلحاته منهم ، ليفهم علمهم ويَعِيَ قولهم . فإذا أقبل هذا الذي جاء بعدهم على علمهم بالتبديل ، وتغيير مدلولات المصطلحات ، لا مع إعلان أن تلك المعاني الجديدة من عند نفسه وأنها اصطلاح خاص به ، بل على أنها اصطلاح أهل الاصطلاح = فهل سيكون لنا طريق إلى فهم ذلك العلم باعتماد كلام ذلك المبدِّل المغيرِّ ؟ !
فأعود مؤكدًا: ( فكرة تطوير المصطلحات ) متعلقة بتغيير المعاني ، مهما كان ذلك التغيير يسيرًا ، ومهما كان الغرض منه حسنًا عند القائل به .
هذا الذي أحذر منه ! أما تطوير حدود المصطلحات ورسومه ، تطويرَ ألفاظٍ لتلك التعاريف ، لا يصل إلى تغيير مدلول المصطلح = فليس على هذا محظور ، ولا هو من ( فكرة تطوير المصطلحات ) التي أحذر منها ، بل هذا التطوير الذي يَقْصِد إلى تحرير التعريفات بالجمع والمنع ، أمر حسن في حدود ما لم يبلغ بنا إلى درجة التنطع والتكلف الذي يعانيه المناطقة ؛ ونحن عنه في غنى . وحتى إن بلغ درجة التنطع والتكلف ، فليس من ( فكرة تطوير المصطلحات ) في شيء ، ما دام أن الأمر لم يصل إلى محاولة تغيير معاني المصطلحات ) . انتهى كلامه .
وقبله قال الشاطبي رحمه الله في (الموافقات) (5/418) عقب شيء ذكره:
(واعلم أن المراد بالمقدمتين ههنا ليس ما رسمه أهل المنطق على وفْق الأشكال المعروفة ، ولا على اعتبار التناقض والعكس ، وغير ذلك ، وإن جرى الأمر على وفقها في الحقيقة فلا يستتب جريانه على ذلك الاصطلاح ؛ لأن المراد تقريب الطريق الموصل إلى المطلوب على أقرب ما يكون ، وعلى وفق ما جاء في الشريعة.