وينبغي أن يقدم المعنى الذي يدل عليه السياق كما تقدَّمَ ، دون سائر المعاني الأخرى .
مثال ذلك: كلمة ( غير صحيح ) معناها بمقتضى اعتبار المعنى اللغوي في كلمة ( غير ) والمعنى اللغوي في كلمة ( صحيح ) معلوم ، وهو السقيم ؛ وأيضًا معناها بمقتضى اعتبار المعنى اللغوي في كلمة ( غير ) والمعنى الاصطلاحي في كلمة ( صحيح ) معلوم وهو نفي الصحة الاصطلاحية فيصدق حينئذ بكل ما هو دون مرتبة الصحيح من مراتب الحديث فيعم عند الجمهور الحديث الحسن والضعيف والضعيف جدًا والموضوع .
ولكن هذين المعنيين المذكورين ليس الأصل في هذه العبارة في كتب الحديث واحدًا منهما ، وإنما الأصل فيها المعنى الاصطلاحي الصرف ، وهو نفي ثبوت الحديث والحكم عليه بما يضاد ذلك من البطلان أو الكذب أو الضعف المنافي لثبوته ، فإذا قيل في حديث: هذا حديث غير صحيح فمعناه أنه لا يثبت متنه ، ففي هذه العبارة نفي للصحة والحسن عنه ؛ ولكن إذا وجدت قرينة صارفة لهذه العبارة عن هذا المعنى إلى المعنى المذكور أولًا فسرناها به وما أقل مثل تلك القرائن ؛ ومثال ذلك أن يقول الناقد في معرض رده على من حكم بصحة الحديث: هو غير صحيح وإنما هو حسن فقط .
وبهذا يُعلم وجوب التنبه إلى وجه استعمال المحدث للكلمة الاصطلاحية ؛ فإن بعض العلماء كانوا أحيانًا يستعملون الكلمة الاصطلاحية - أعني الكلمة التي لها معنى اصطلاحي بالإضافة إلى معناها اللغوي - يريدون بها معناها اللغوي ، لا الاصطلاحي ؛ ومن هؤلاء الحافظ الذهبي ، قال الدكتور قاسم علي سعد في ( مباحث في علم الجرح والتعديل ) ( ص93 ) عقب ذكره ألفاظ التعديل عند الذهبي ضمن تراجم ( الميزان ) : ( هذا ، وقد يذكر الذهبي ألفاظًا عدة في الترجمة الواحدة وبين تلك الألفاظ بون واسع فيقصد بها أحيانًا المعنى لا المصطلح الدقيق ، وكذلك يفعل في التجريح ، وقد اقتصرت على ما قصد به المصطلح ) .