{بِئْسَمَا اشْتَرَوْا} : بئس فعل يستعمل لإفادة الذم، والمعنى: بئس شيئًا اشتروا به أنفسهم أن يكفروا. واشتروا هنا، تستعمل للشراء والبيع. قال في الصحاح: شرى الشيء يشريه شرى وشراء إذا باعه وإذا اشتراه أيضا وهو من الأضداد، وهو هنا بمعنى: باعوا.
{بَغْيًا} البغي الفساد، من قولهم: بغى الجرح أي فسد. والمراد منه هنا: الحسد، لأنه من فساد النفس.
{فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ} : أي رجعوا بغضب فوق غضب، يقال: باءَ بإثمه يبوء بمعنى: رجع يرجع.
{مُهِينٌ} : مذل من الهوان، وهوالذلة.
التفسير
90 - {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ... } الآية.
اليهود كانوا ينتظرون بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - كما تقدم بيانه، فلما جاءَهم حسدوه، واستبدلوا بالإيمان الذي هيأ الله لهم أسبابه ليسعدوا .. استبدلوا به الكفر الذي يؤدي بهم إلى الشفاءِ الدائم، وآثروه عليه، فكان اختيار الكفر على الإيمان، بمنزلة بيع أنفسهم بالكفرإلى النار.
ولما كانت الخسارة في ذلك الاستبدال عظمة. قال سبحانه: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ} أي بئسما باعوها به {أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ} .فالكفر هو الثمن الذي باعوا به أنفسهم، والمشترى الشيطان، أو جهنم، وكل ذلك من باب التصوير والتمثيل، لتهويل سوءِ ما اختاروه وتقبيح أمره.
{بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} : بسبب بغيهم وحسدهم أن ينزل الله الوحي على من يختاره من عباده، وهو محمَّد - صلى الله عليه وسلم - فقد حسدوه على النبوة، لما لم يكن من بني إسرائيل، بل كان من ولد إسماعيل أخي جدهم إسحاق. وكان ذلك منهم حبا في الرياسة , وتعصبا لنبي جدهم إسرائيل، دون نظرإلى الحق، يريدون أن يقصروا فضل الله عليهم , ولا يرضون عما أعطى الله غيرهم من فضله.
{فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ} : فرجعوا - بسبب حسدهم - بغضب من الله فوق غضب منه، أي استحقوا غضبا عظيما من الله، بكفرهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وحسدهم له على فضل الله عليه.