{وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنك متبعون} [الشعراء: 52] إن فرعون لا يلبث أن يصدهم عن المضي فِي سيرهم فلذلك سلك بهم بالأمر الإلهي طريقاً غير مطروقة فكانوا مضطرين للوقوف أمام البحر فِي موضع يقال له"فم الحيروث"فهنالك ظهرت المعجزة إذ فلق الله لهم البحر بباهر قدرته فأمر موسى أن يضربه بعَصاه فانفلق وصار فيه طريق يبس مرت عليه بنو إسرائيل وكان جند فرعون قد لحق بهم ورام اقتحام البحر وراءهم فانطبق البحر عليهم فغرقوا.
وقوله: {وأغرقنا آل فرعون} أي جنده وأنصاره.
ولم يذكر فِي هاته الآية غرق فرعون لأن محل المنة هو إهلاك الذين كانوا المباشرين لتسخير بني إسرائيل وتعذيبهم والذين هم قوة فرعون وقد ذكر غرق فرعون فِي آيات أخرى نتكلم عليها فِي موضعها إن شاء الله، وكان ذلك فِي زمن الملك"منفتاح"ويقال له"منفطة"أو"مينيتاه"من فراعنة العائلة التاسعة عشرة فِي ترتيب فراعنة مصر عند المؤرخين. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 1 صـ 477 - 479}
فصل
قال الفخر:
اعلم أن هذه الواقعة تضمنت نعماً كثيرة فِي الدين والدنيا، أما نعم الدنيا فِي حق موسى عليه السلام فهي من وجوه، أحدها: أنهم لما وقعوا فِي ذلك المضيق الذي من ورائهم فرعون وجنوده وقدامهم البحر، فإن توقفوا أدركهم العدو وأهلكهم بأشد العذاب وإن ساروا غرقوا فلا خوف أعظم من ذلك، ثم إن الله نجاهم بفلق البحر فلا فرج أشد من ذلك.
وثانيها: أن الله تعالى خصهم بهذه النعمة العظيمة والمعجزة الباهرة، وذلك سبب لظهور كرامتهم على الله تعالى.
وثالثها: أنهم شاهدوا أن الله تعالى أهلك أعداءهم ومعلوم أن الخلاص من مثل هذا البلاء من أعظم النعم، فكيف إذا حصل معه ذلك الإكرام العظيم وإهلاك العدو.
ورابعها: أن أورثهم أرضهم وديارهم ونعمهم وأموالهم.