وتطبيقا لهذا المبدأ نقول: إن المخاطبين بقوله تعالى: أَفَلا تَعْقِلُونَ يعقلون ويدركون الأشياء، وبهذا الإدراك توجه إليهم التكليف بالعقائد والشرائع، ولكنهم لم يسيروا على مقتضى ما لديهم من عقول، حيث كانوا يأمرون الناس بالخير، ويصرفون أنفسهم عنه، فكأنه - سبحانه - يقول لهم: إن ما أتيتم من أفعال سقيمة. يجعل الناظر إليكم يحكم عليكم بلا أدنى تردد بأنكم لا عقول لكم، ولا فضيلة لديكم، وفي هذا الأسلوب ما فيه من الترغيب في فعل الخير والترهيب من فعل الشر.
ولما كانت الأمور التي كلفهم الله بها قبل ذلك فيها مشقة لا يتحملها كل أحد بسهولة. فقد أرشدهم إلى الوسائل التي تقوى عزائمهم، وتطهر قلوبهم، وتعالج أمراض نفوسهم فقال تعالى:
[سورة البقرة (2) : الآيات 45 إلى 46]
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (46)
قوله تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ الاستعانة: طلب المعونة، والصبر حبس النفس على ما نكره. يقال: صبر على الطاعة. أي حبس نفسه عليها متحملا ما يلاقيه في أدائها من مشاق وصبر عن المعصية. أي كف نفسه عما تنزع إليه من أهواء.
والمعنى: واستعينوا على ترك ما تحبون من شهوات الدنيا، والدخول فيما تستثقله نفوسكم من قبول الإسلام، والتقيد بتكاليفه بفضيلة الصبر التي تحجز أنفسكم من غشيان الموبقات، وبفريضة الصلاة التي تنهاكم عن الفحشاء والمنكر.
قوله تعالى: وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ كبيرة: أي صعبة شاقة. يقال كبر الشيء إذا شق وثقل، ومنه قوله تعالى: كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ أي ثقل وصعب - والخاشعين: من الخشوع وهو في الأصل اللين والسهولة «ومعناه في الآية الكريمة. الخضوع والاستكانة لله تعالى، والضمير في - إنها - للصلاة لعظيم شأنها واستجماعها لضروب من الصبر، والاستثناء مفرغ. أي كبيرة على كل الناس إلا على الخاشعين.