والمعنى: إن الصلاة صعبة إلا على الخاضعين المخبتين المتطامنة قلوبهم وجوارحهم لله تعالى لأنهم موقنون أنها من أهم وسائل الفلاح في الدنيا، والسعادة في الآخرة، ولأنهم يجدون عند أدائها اغتباطا وسرورا يجعل نفوسهم تنشط إليها كلما حل وقتها بهمة وإخلاص.
قال الإمام الرازي: «فإن قيل: إن كانت ثقيلة على هؤلاء سهلة على الخاشعين، فيجب أن يكون ثوابهم أكثر، وثواب الخاشع أقل، وذلك منكر من القول؟ قلنا: ليس المراد أن الذي يلحقهم من التعب أكثر مما يلحق الخاشع. وكيف يكون ذلك، والخاشع يستعمل في الصلاة جوارحه وقلبه، ولا يغفل فيها وإذا كان هذا فعل الخاشع فالثقل عليه يفعل الصلاة أعظم.
وإنما المراد بقوله تعالى: وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ. أي ثقيلة على غير الخاشع لأنه لا يعتقد في فعلها ثوابا، ولا في تركها عقابا، فيصعب عليه فعلها، فالحاصل أن الملحد لاعتقاده عدم المنفعة في أدائها ثقل عليه فعلها، لأن الاشتغال بما لا فائدة فيه يثقل على الطبع. أما الموحد فلما اعتقد في فعلها أعظم المنافع، وفي تركها أكبر المضار، لم يثقل عليه أداؤها. بل أداها وهو سعيد بها، ألا ترى إلى قول الرسول صلّى الله عليه وسلم: «جعلت قرة عيني في الصلاة» وصفها بذلك لأنها كانت لا تثقل عليه.
ثم وصف - سبحانه - الخاشعين وصفا يناسب المقام، ويظهر وجه الاستعانة، فقال - تعالى -: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ.
الظن: يرد في أكثر الكلام بمعنى الاعتقاد الراجح، وهو ما يتجاوز مرتبة الشك، وقد يقوى حتى يصل إلى مرتبة اليقين والقطع، وهو المراد هنا ومثل ذلك قوله - تعالى -
أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ أي ألا يعتقد أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم. وقوله تعالى:
إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ أي علمت أنى ملاق حسابيه.
وملاقاة الخاشعين لربهم معناها الحشر إليه بعد الموت، ومجازاتهم على ما قدموا من عمل.
والمعنى: إن الصلاة لثقيلة إلا على الخاشعين، الذين يعتقدون لقاء الله - تعالى - يوم الحساب، وأنهم عائدون إليه لينالوا ما يستحقونه من جزاء على حسب أعمالهم.