أي ليس هناك (منار) فيكون اهتداء، وكقوله أيضًا -:
وَلاَ تَرى الضَّبَّ بهَا يَنْجَحِرْ
أي ليس هناك (ضب) فيكون منه انجحار.
وقرئ قوله: {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} بالياء والتاء، فمن قرأ بالتاء قال: الاسم الذي أسند إليه هذا الفعل مؤنث، فيلزم أن يلحق المسند أيضا علامة التأنيث، ليؤذن لحاق العلامة بتأنيث الاسم. ومما يقوي هذا أن كثيرا من العرب إذا أسند الفعل إلى المثنى أو المجموع ألحقوه علامة التثنية والجمع، كقوله:
أُلْفِيَتَا عَيْنَاكَ عِنْدَ القَفَا
وقول آخر:... يَعْصِرْنَ السَّلِيَط أَقَارِبُهْ
فكما ألحقوا هاتين العلامتين لتؤذنا بالتثنية والجمع، كذلك ألحقت علامة التأنيث الفعل لتؤذن بما في الاسم منه، وكان لحاق هذه العلامة أولى من لحاق علامتي التثنية والجمع، للزوم علامة التأنيث الاسم، وانتقاء لزوم هاتين العلامتين الاسم، لأنه إذا وحد زالت علامة التثنية والجمع. ولا يتوهم سقوط الهاء من الشفاعة، وبحسب لزوم المعنى تلزم علامته.
ومن قرأ بالياء، فلأن التأنيث في الاسم ليس بحقيقي، وإذا كان كذلك حمل على المعنى فذكّر، ألا ترى أن الشفاعة والتشفع بمنزلة، كما أن الموعظة والوعظ، والصيحة والصوت كذلك، وقد قال: فَمَن
جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ [البقرة: 275] ، {وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ} [هود: 67] فكما لم يُلحق العلامة هاهنا كذلك يحسن أن لا تُلحق في هذه الآية.
ومما يقوي التذكير أنه فصل بين الفعل والاسم، والتذكير يحسن مع الفصل كما حكي من قولهم: (حضر القاضي اليوم امرأة) ، فإذا جاء التذكير في الحقيقي مع الفصل فغيره أجدر بذلك.
قال أبو علي: فأما ما قاله أحمد بن يحيى من أن التذكير أجود، لقول ابن مسعود (ذَكِّروُا القرآن) لا يجوز حمله على تذكير التأنيث، لأنه
لا يخلو إما أن أراد تذكير التأنيث الحقيقي أو غير الحقيقي.