ولا يجوز أن يريد تذكير الذي هو غير الحقيقي، لأن ذلك قد جاء في القرآن ما لا يحصى كثرة، كقوله: {وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ} [الأنعام: 32] و {النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ} [الحج: 72] ، {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) } [القيامة: 29] ، و {قَالَتْ رُسُلُهُمْ} [إبراهيم: 10] ، و {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} [الحاقة: 7] ، و {وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ} [ق: 10] فإذا كان هذا النحو على الكثرة التي تراها، فلا يجوز أن يريد هذا. وإذا لم يجز أن يريد هذا كان إرادة تذكير التأنيث الحقيقي أبعد، كقوله: {إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ} [آل عمران: 35] ، وقوله: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} [التحريم: 12] ، {وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ} [القصص: 11] .
فإن قلت: إنما يريد: [إذا] احتمل الشيء التذكير والتأنيث، فاستعملوا التذكير وغلبوه.
قيل هذا أيضا لا يستقيم، ألا ترى أن فيما تلونا {وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ} و {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} فأنث مع جواز التذكير فيه، يدل على ذلك في الأخرى: {أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ} [القمر: 20] ، وقوله: {مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ}
[يس: 80] ولم يقل الخضر أو الخضراء، فهذه المواضع يعلم منها أن ما ذكر ليس بمراد ولا مذهب، فإذا لم يصح أن يريد به تذكير التأنيث كان معنى غيره. فمما يجوز أن يصرف إليه، أنه يريد به الموعظة والدعاء إليه كما قال: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ} [ق: 45] إلا أنه حذف الجار.