(وَأَقُولُ) : إِنَّمَا جَعَلَ شَيْخُنَا جَرِيمَةَ الْكَذِبِ مَثَلًا لِاسْتِبَاحَةِ فَاسِدِي الدِّينِ لِلْمَعَاصِي ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ الْعَامِّ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ ، وَشَرُّ الرَّذَائِلِ ، حَتَّى إِنَّ الْكُفْرَ وَالشِّرْكَ شُعْبَةٌ مِنْهُ ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا تَغْلِبُ الْمَرْءَ عَلَيْهِ ثَوْرَةُ غَضَبٍ أَوْ ثَوْرَةُ شَهْوَةٍ ، بَلْ يُقْتَرَفُ بِالتَّرَوِّي وَالتَّعَمُّدِ ، وَلِأَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ عَامٌّ فَاشٍ فِي جَمِيعِ طَبَقَاتِ النَّاسِ فِي عَصْرِنَا هَذَا حَتَّى الْعُلَمَاءِ وَالْوُزَرَاءِ وَمَنْ فَوْقَهُمْ ، وَمِنَ الْعَجَائِبِ أَنَّنَا سَمِعْنَا بِآذَانِنَا وَقَرَأْنَا وَرُوِّينَا عَنْ أَعْدَاءِ الْإِصْلَاحِ وَأَهْلِهِ مِنِ افْتِرَاءِ الْكَذِبِ عَلَى دُعَاتِهِ مَا لَا تَسْتَطِيعُ عُقُولُنَا لَهُ تَأْوِيلًا إِلَّا بِمَا كَتَبَهُ شَيْخُنَا فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ مِنَ الْخَبَالِ فِي أَنْفُسِهِمُ الَّتِي فَسَدَتْ فِطْرَتُهَا أَوْ مِنْ فَقْدِ الْإِيمَانِ بِصِحَّةِ النُّصُوصِ ، إِمَّا فَقْدًا تَامًّا عَامًّا ، وَإِمَّا فَقْدًا خَاصًّا بِالْحَالِ الَّتِي يَفْتَرُونَ فِيهَا الْكَذِبَ وَغَيْرَهُ مِنَ الْجَرَائِمِ عَلَى حَدِّ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ (لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ) ... إِلَخْ ، عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَاتِ لَهُ . وَوَجْهُ الْعَجَبِ وَالْغَرَابَةِ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْكَذِبِ: أَنَّهُ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ انْتِصَارٌ لِلدِّينِ وَدِفَاعٌ عَنْهُ وَهُوَ هَدْمٌ لَهُ .