فهرس الكتاب

الصفحة 783 من 6569

تفسير قوله تعالى: (كرام بررة)

قال تعالى: {كِرَامٍ بَرَرَةٍ} [عبس:15-16] (كرام) في أخلاقهم، (كرام) في خلقتهم؛ لأنهم على أحسن خلقة، وعلى أحسن خلق، ولهذا وصف الله الملائكة بأنهم: {كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار:11-12] وأنهم عليهم الصلاة والسلام: {لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ} [الأنبياء:19-20] .

هذه الآيات من سورة عبس فيها تأديب من الله عز وجل للخلق، ألا يكون همهم همًا شخصيًا، بل يكون همهم همًا معنويًا، ألا يفضلوا في الدعوة إلى الله شريفًا لشرفه ولا عظيمًا لعظمته ولا قريبًا لقربه، بل يكون الناس عندهم سواء في الدعوة إلى الله، الفقير والغني، الكبير والصغير، القريب والبعيد.

وفيها أيضًا تلطف الله عز وجل بمخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال في أولها: {عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى} [عبس:1-2] ثلاث آيات لم يخاطب الله فيها النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنها عتاب شديد، فلو وجهت للرسول بالخطاب لكان فيه ما فيه، ولكن جاءت بالغيبة (عبس) وإلا لكان مقتضى الحال أن يقول: (عبست وتوليت، أن جاءك الأعمى، وما يدريك لعله يزكى) ولكنه قال: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فجعل الحكم للغائب كراهية أن يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمات الغليظة الشديدة؛ ولأجل ألا يقع في مثل ذلك من يقع من هذه الأمة، والله سبحانه وتعالى وصف كتابه العزيز بأنه بلسانٍ عربي مبين، وهذا من بيانه.

وفي الآية أيضًا دليل على جواز أن يلقب الإنسان بوصفه، مثل: الأعمى والأعرج والأعمش، وقد كان العلماء يفعلون هذا، فما أكثر ما يرد عليكم: الأعرج عن أبي هريرة، والأعمش عن ابن مسعود، قال أهل العلم: واللقب بالعيب إذا كان المقصود به تعيين الشخص فلا بأس به، وأما إذا كان المقصود به تعيير الشخص فإنه حرام؛ لأن الأول إذا كان المقصود به تبيين الشخص فإنه مما تدعو الحاجة إليه، والثاني إذا كان المقصود به التعيير فإنه لا يقصد به التبيين وإنما يقصد به الشماتة، وقد جاء في الأثر: (لا تظهر الشماتة في أخيك فيعافيه الله ويبتليك) نسأل الله لنا ولكم الاستقامة والسلامة في الدنيا والآخرة.

وإلى هنا ينتهي بنا القول على ما يسر الله من آيات هذه السورة الكريمة ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يجعله نافعًا لنا ولكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت