فهرس الكتاب

الصفحة 6411 من 6569

تفسير قوله تعالى: (والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا)

ثم بين الله حكم الظهار الحكم الذي يسميه الأصوليون الحكم الوضعي بمعنى: ماذا نعمل إذا حصل الظهار؟ فقال عز وجل: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} [المجادلة:3-4] الآن كم خصلة ذكر الله عز وجل؟ ثلاثًا: تحرير رقبة، وصيام شهرين متتابعين، وإطعام ستين مسكينًا.

هذه كفارة الظهار إذا عاد الإنسان لما قال، ومعنى عودته لما قال: أن يعود لامرأته التي جعلها كظهر أمه بأن يعزم على أن يجامعها، فنقول: قبل أن تجامع كفر.

أولًا: تحرير رقبة ومعنى التحرير: تخليصها من الرق، يعني: يكون عند الإنسان عبدًا مملوكًا فيعتقه، أو يشتريه من السوق ويعتقه، فإن لم يجد ثمن الرقبة أو لم توجد الرقبة، كمثل هذا العصر الآن فإنه لا يوجد فيما نعلم رقيق.

{فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ} أي: فعليه صيام شهرين متتابعين لا يفطر بينهما إلا لعذر شرعي، الشهران هل هما ستون يومًا، أو هما هلالان؟

الجوابالثاني، أي: هلالان، فلو قدر أن الشهر الأول ناقص والثاني ناقص، ستكون الأيام ثمانية وخمسين يومًا، ولا حرج؛ لأن الله لم يقل ستين يومًا، قال: (شهرين متتابعين) وقوله: (متتابعين) يعني: يجب ألا يفطر بينهما إلا لعذر، كالسفر والمرض، فإن لم يتابع بأن أفطر يومًا في أثناء الشهرين بدون عذر فعليه أن يستأنف؛ لأن الله اشترط أن يكون الشهران متتابعين، فلابد أن يستأنف.

{مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} أي: من قبل أن يجامع أحدهما الآخر، فيبقى صابرًا عن امرأته مدة شهرين، هذا إن شرع في الصوم مباشرة، أما إذا تأخر ربما يتأخر -مثلًا- شهر ثم يصوم، فيبقى عن أهله ثلاثة أشهر.

{ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ} [أي: تزجرون به عن هذا القول المحرم المنكر.

فمن لم يستطع أن يصوم شهرين متتابعين، إما لمرض وإما لشدة شبق يعني: شهوة للجماع وما أشبه ذلك {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} أي: فعليه أن يطعم ستين مسكينًا، وهل يطعم ستين مسكينًا قبل أن يجامع، أو له أن يجامع قبل أن يطعم؟ في الرقبة قال: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} وفي الصيام قال: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} وفي الإطعام لم يذكر الله هذا الشرط: (من قبل أن يتماسا) فظاهر الآية الكريمة: أنه يجوز أن يرجع إلى زوجته ويجامعها قبل أن يطعم، ولكن أهل العلم يقولون: إن الإطعام كغيره، لا يرجع إلى زوجته حتى يطعم، وقالوا: إذا كان الله تعالى أوجب أن تكون الكفارة قبل الجماع في العتق وهذا قد يتأخر ربما يبقى الإنسان يبحث عن رقبة شهرًا أو شهرين أو أكثر، في الصيام وهو شهران يبقى لا يجامع زوجته حتى يصوم، فما بالك بالإطعام؟ الإطعام يمكن أن يطعم خلال نصف ساعة أليس كذلك؟ يقولون: فإذا كان العتق والصيام يجب أن يتقدم الرجوع فالإطعام من باب أولى، ولكن كيف يطعم ستين مسكينًا؟ إطعامهم على وجهين: الوجه الأول: أن يصنع غداءً أو عشاءً ويدعو ستين مسكينًا، فإن لم يتسع المكان للستين دعا عشرة اليوم وعشرة آخرين من الغد وعشرة آخرين من الغد حتى يكمل ستين مسكينًا، غداء أو عشاء، فإن لم يصنع غداء أو عشاء فليطعم كل مسكين كيلو من الرز ومعه لحم، يعني: يأخذ أكياسًا من (النايلون) ويجعل فيها كيلو من الرز ومعه لحم، لحم قليل يكفيه لوحده، ويوزعه على ستين مسكينًا، وبذلك تتم الكفارة.

لكن إذا كان الإنسان لا يستطيع حتى الإطعام، فهل نقول: لا تقرب زوجتك حتى تقدر على الإطعام أو الصيام أو إعتاق الرقبة؟ نقول: قال الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16] وعلى هذا فيأتي أهله ولا حرج عليه.

{فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي: أوجبنا ذلك ليتحقق لكم الإيمان، فإنه كلما كان الإنسان ممتثلًا لأمر الله مع المشقة، ازداد إيمانه ورغبته فيما عند الله.

{لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} يعني: محمد صلى الله عليه وسلم {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ختم الآيات بهذه الجملة، كأنه يقول: استعدوا للعذاب الأليم إن لم تؤمنوا بالله ورسوله فتؤدوا ما أوجب الله عليكم من الكفارة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت