السؤالفضيلة الشيخ! درج كثير من الناس على أنه إذا أراد أن يطلق زوجته أن يطلقها وهي في بيت أهلها، أما في حالة نفاس أو عقب زيارة له، كما أنه يطلقها في بيته إثر خلاف بينهم، ثم يذهب بها إلى أهلها ولا يبقيها عنده، كما أنه لا يراعي إن كانت مستوفية للعدة أو غير ذلك، فما حكم الشرع في ذلك، وما توجيهكم، وما على فاعله؟
الجوابأولًا: بارك الله فيكم جميعًا اعلموا أن الشيطان أحرص ما يكون على تفريق المرء وزوجته، يحرص على هذا حرصًا عظيمًا، حتى إن السحرة جعلوا أكبر ما يتعلمون: {مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} [البقرة:102] وحتى أنه ورد في بعض الآثار: أن الشيطان يرسل جنوده ليضلوا الناس فيأتي هذا ويقول: أضللت فلانًا حتى فعل كذا، ويأتي الشيطان الثاني ويقول: ما تركت فلانًا حتى فرقت بينه وبين زوجته، فيلتزمه ويقول له: أنت أنت.
يعني: أنت الجيد، ولهذا نرى أن الطلاق اليوم كثر في ألسن الناس مع الأسف، وأن الإنسان يطلق زوجته على أتفه الأشياء، حتى لو جاء وهي لم تكمل إصلاح الشاي، يعني: ما بقي عليها إلا أن تحليه فقط، قال: لماذا لا تفعلي، لماذا تأخرتي؟! أنت طالق بالثلاث، ولا يعلم أعليها حيض أو ليس عليها، هل هي في طهر جامعها فيه أو لا، لا يدري، يأتي الشيطان يأزه حتى يطلق.
ونحن نقول أولًا: لا تطلق امرأتك إلا عن طوية وعجزٍ عن الصبر عليها، وإن أمكن الصبر فاصبر وتحمل، واذكر قول ربك عز وجل: {فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء:19] واذكر قول نبيك عليه الصلاة والسلام: (لا يفرك مؤمن مؤمنة -أي: لا يبغضها ويكرهها- إن كره منها خلقًا رضي منها خلقًا آخر) واعرف قدر نفسك وأنك رجل وهي امرأة خلقت من ضلع، وأعوج شيء في الضلع أعلاه، أنت تتحمل وهي لا تتحمل، ألم تر أن الرسول عليه الصلاة والسلام وهو أشرف الخلق اجتمع عليه نساؤه يطالبنه النفقة، مع أنه أحسن الناس خلقًا وأكرمهم أيضًا، حتى هجرهن شهرًا عليه الصلاة والسلام.
فالواجب على الإنسان أولًا: ألا يطلق إلا عن روية واقتناع بأن الحال لا يمكن أن تصلح، فإن أمكن إصلاحها ولو على مضض وكراهية فليصلح.
ثم إذا صمم على الطلاق، وأنه لا بد منه فليطلقها إما حاملًا، وإما طاهرًا في طهر لم يجامعها فيه، وقولي: إما حاملًا، يدفع ظن بعض العوام: أن الحامل لا تطلق.
ولهذا دائمًا الذين يستفتون يقولون: ترى طلقها وهي حامل، يعني معناه: ما لها طلاق، وهذا غلط، الحامل هي التي يجوز أن تطلقها قبل أن تغتسل من الجنابة منها، فلو جامع إنسان المرأة وهي حامل وفور انتهائه من الجماع طلقها، لا بأس، جائز، لكن لو جامعها وهي طاهر ثم أراد أن يطلقها نقول: اصبر، إلى أن يتبين حملها إن حملت من هذا الجماع أو تحيض ثم تطهر ثم تطلقها قبل أن تجامعها.
ولذلك ينبغي للإنسان إذا أراد أن يطلق أن يتريث، فإذا كان لا بد من الطلاق فلينظر حال المرأة إن كانت في حيض انتظر حتى تطهر ثم يطلق قبل أن يجامعها وإن كانت حاملًا طلق، وإن كانت في طهرٍ جامعها فيه انتظر حتى تحيض أو يتبين حملها، وإن كانت في طهرٍ لم يجامعها فيه طلق ولا مانع من ذلك، فلا بد من النظر.
ثم إذا أراد أن يطلق يذهب إلى رجل موثوق عارف بالأحكام ويكتب طلاقًا على الوجه الشرعي؛ لأن بعض الذين يكتبون الطلاق -الله يهدينا وإياهم- يعني: تعرض علينا أشياء من هذا النوع، إذا جاءه الزوج قال: ماذا تريد نكتب؟ الزوج مع الغضب يقول: اكتب ثلاثًا.
كان المفروض أن يقول له: نكتب طلقة واحدة، وإذا كانت الطلقة واحدة الخيار بيد الزوج إن شاء راجع وإن شاء لم يراجع، لكن إذا كان ثلاثًا ربما يفوته الخيار، فعلى كل حال المسألة خطيرة، والتلاعب بالطلاق الآن ويطلق الإنسان على أتفه الأسباب، أو ربما يطلق على شيء لا حاجة له فيه، مثل: أن ينزل عليه رجلٌ ضيفًا فإذا رآه الضيف يتحرك يريد أن يذبح له كبشًا، قال: عليَّ الطلاق لا تذبح، قال الثاني: علي الطلاق لأذبحن لك، فماذا نعمل في هذه الحال؟!! نسأل الله السلامة، فهذا تلاعب.
فهذه المسائل يجب التنبه لها وألا نتخذها هزوًا.