قال تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} [الشرح:7-8] المعنى في هذه الآية: إذا فرغت في أعمالك فانصب في عمل آخر، أي: اتعب لعمل آخر، لا تجعل الدنيا تضيع عليك، ولهذا كانت حياة الإنسان العاقل حياة جد، كلما فرغ من عمل شرع في عمل آخر، لا يوجد ضياع وقت، الزمن لا يرحم كما يقولون، الزمن يمشي ويفوت على الإنسان في حال يقظته ومنامه، وشغله وفراغه، يسير، هل يمكن لأحد أن يمسك الزمن؟ لا.
لا يمكن، لو اجتمع الخلق كلهم يوقفون الشمس حتى يطول النهار ما تمكنوا، الزمن لا يمكن لأحد أن يمسكه.
إذًا، اجعل حياتك جدًا، إذا فرغت من عمل فانصب في عمل آخر، إذا فرغت من عمل الدنيا عليك بعمل الآخرة، فرغت من الآخرة اشتغل في أمر الدنيا، فإذا قضيت الصلاة يوم الجمعة يكتنفها عملان دنيويان: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} [الجمعة:9] أي: وأنتم مشتغلون في دنياكم {فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة:9-10] اسعوا بيعوا واشتروا، فرغنا من شغل اشتغلنا في آخر، فرغنا منه اشتغلنا في آخر، وهكذا ينبغي أن يكون الإنسان دائمًا في جد.
فإذا قال قائل: لو أنني استعملت الجد في كل حياتي لتعبت ومللت؟ قلنا: إن استراحتك لتنشيط نفسك وإعادة النشاط يعتبر شغلًا وعملًا، يعني: ليس اللازم الشغل بالحركات، لا، فراغك من أجل أن تنشط للعمل الآخر يعتبر عملًا، المهم أن تجعل حياتك كلها جدًا وعملًا.
{فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} [الشرح:7-8] أي: إذا عملت الأعمال التي فرغت منها ونصبت في الأخرى فارغب إلى الله عز وجل في الثواب، في حصول الأجر في الإعانة، كن مع الله عز وجل قبل وبعد العمل، قبل العمل كن مع الله تستعينه عز وجل، وبعده ترجو منه الثواب، {وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} [الشرح:8] .