تفسير قوله تعالى: (إن الذين فتنوا المؤمنين)
انتهينا إلى قوله تعالى في سورة البروج: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} [البروج:10] (فتنوهم) أي: أحرقوهم على قول بعض أهل العلم؛ لأن هؤلاء المجرمين خدوا أخاديد، أي: شقوا سراديب في الأرض، وأوقدوا فيها النيران، وأحرقوا فيها المؤمنين، فيكون معنى (فتنوا المؤمنين) أي: أحرقوا المؤمنين، وقيل: فتنوهم أي: صدوهم عن دينهم، والصحيح أن الآية شاملة للمعنيين جميعًا؛ لأنه ينبغي أن نعلم أن معاني القرآن أوسع من أفهامنا، وأننا مهما بلغنا من الذكاء والفطنة، فلن نحيط به علمًا، إنما نعلم منه ما تيسر، والقاعدة في علم التفسير أنه إذا كانت الآية تحتمل معنيين لا يتضادان فإنها تحمل عليهما جميعًا.
فنقول: هم فتنوا المؤمنين بصدهم عن سبيل الله، وفتنوهم بالإحراق أيضًا، ولكن مع هذا يقول الله عز وجل: {ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} [البروج:10] فدلت الآية الكريمة على أنهم لو تابوا لغفر الله لهم، حتى وإن فعلوا بأوليائه ما فعلوا، فإن الله يتوب عليهم؛ لأن الله يقول: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ} [الشورى:25] ، وقوله تعالى: {فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ} [البروج:10] أي: عذاب النار يعذبون بها، {وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} [البروج:10] يحرقون بها في نار جهنم نسأل الله العافية.
وفي الآية إشارة إلى أن التوبة تهدم ما قبلها، ولكن لا بد أن نعلم أن التوبة لا تكون توبة نصوحًا مقبولة عند الله إلا إذا اشتملت على شروط خمسة: الأول: الإخلاص لله عز وجل بأن يكون الحامل للإنسان على التوبة خوف الله عز وجل ورجاء ثوابه؛ لأن الإنسان قد يتوب من الذنب من أجل أن يمدحه الناس، أو من أجل دفع مذمة الناس له، أو من أجل مرتبةٍ يصل إليها، أو من أجل مال يحصل عليه، وكل هؤلاء لا تقبل توبتهم؛ لأن التوبة يجب أن تكون خالصة لله عز وجل.
أما من أراد بعمله الدنيا، فإن الله تعالى يقول في كتابه: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ} [هود:15-16] .
الثاني: الندم على ما حصل من الذنب، بمعنى ألا يكون الإنسان كأنه لم يذنب ولا يتحسر ولا يحزن، لا بد أن يندم إذا ذكر عظمة الله ندم، كيف أعصي ربي وهو الذي خلقني ورزقني وهداني فيندم؟ كما لو عصى الإنسان أباه فإنه يندم.
الثالث: أن يقلع عن الذنب، فلا تصح التوبة مع الإصرار على الذنب؛ لأن التائب هو الراجع، فإذا كان الإنسان يقول: أستغفر الله وأتوب إليه من أكل الربا، ولكنه لا يزال يرابي، هل تصح توبته؟ لا تصح، لو قال: أستغفر الله من الغيبة -والغيبة ذكرك أخاك بما يكره- ولكنه في كل مجلس يغتاب الناس، هل تصح توبته؟ لا.
كيف تصح وهو مصر على المعصية؟ فلابد أن يقلع، إذا تاب من أكل أموال الناس وقد سرق هذا، وأخذ مال هذا بالخداع والغش، فهل تصح توبته؟ لا.
حتى يرد ما أخذ من أموال الناس إلى أصحابها، لو فرضنا أن شخصًا أدخل مراسيمه في ملك جاره واقتطع جزءًا من أرضه، وقال: إني تائب، ماذا نقول له؟ نقول: رد المراسيم إلى حدودها الأولى، وإلا فإن توبتك لا تقبل؛ لأنه لا بد من الإقلاع عن الذنب الذي تاب منه.
الشرط الرابع: أن يعزم عزمًا تامًا على ألا يعود إلى الذنب، فإن تاب وهو ينوي في نفسه أنه لو حصلت له فرصة لعاد إلى الذنب فإن توبته لا تقبل، لا بد أن يعزم عزمًا أكيدًا على ألا يعود.
الشرط الخامس: أن تكون التوبة في وقتٍ تقبل فيه التوبة؛ لأن هناك أوقاتًا لا تقبل فيها التوبة، وذلك في حالتين: الحالة الأولى: إذا حضره الموت فإن توبته لا تقبل، لقول الله تبارك وتعالى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ} [النساء:18] أي: إذا أتاه الموت وشاهد العذاب، قال: تبت! هذا لا ينفع، وكمثال واقع لهذه المسألة، أن فرعون لما أدركه الغرق: {قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ} [يونس:90] أي: بالله، ولم يقل: آمنت بالله، إذلالًا لنفسه، حيث كان يحارب بني إسرائيل على الإيمان بالله، والآن يقول: آمنت بالذي آمنوا به، فكأنه جعل نفسه تابعًا لبني إسرائيل، إلى هذا الحد بلغ به الذل ومع ذلك قيل له {آلْآنَ} [يونس:91] ؟ يعني: الآن تتوب؟ الآن تؤمن بالذي آمنت به بنو إسرائيل: {وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [يونس:91] .
إذًا: إذا حضر الموت فإن التوبة لا تقبل، وأنا أسأل كل إنسان: هل يعلم متى يحضره الموت؟ لا يعلم، إذًا لا بد من المبادرة بالتوبة؛ لأنك لا تدري في أي وقت يحضرك الموت، فمن الناس من نام على فراشه في صحةٍ وعافية ثم حمل من فراشه إلى سرير التغسيل، ومن الناس من جلس على كرسي العمل يعمل ثم حُمل من كرسي العمل إلى سرير التغسيل، كل هذا واقع وأمثال هذه المفاجأة كثير، فإذًا يجب أن نبادر بالتوبة، نسأل الله أن يعيننا وإياكم على ذلك، بادروا بالتوبة، قبل أن تغلق الأبواب.
الحالة الثانية: إذا طلعت الشمس من مغربها، فإن الشمس إذا طلعت من مغربها ورآها الناس آمنوا، لكن الله يقول: {لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام:158] .