فهرس الكتاب

الصفحة 1476 من 6569

تفسير قوله تعالى:(الذي خلق فسوى)

ثم قال: {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى} [الأعلى:2] (خَلَقَ) أي: أوجد من العدم -كل المخلوقات أوجدها الله عز وجل- قال الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ} [الحج:73] استمع لهذا المثل: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ} [الحج:73] والله مثل عظيم! كل الذين تدعون من دون الله لا يخلقون ذبابًا ولو اجتمعوا له؛ ولو يجتمع جميع الآلهة التي تعبد من دون الله وجميع السلاطين وجميع الرؤساء وجميع المهندسين على أن يخلقوا ذبابًا واحدًا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.

الآن ونحن في هذا العصر وقد تقدم العلم هذا التقدم الهائل؛ لو اجتمع كل هؤلاء الخلق على أن يخلقوا ذبابًا ما استطاعوا، حتى لو أنهم كما يقولون صنعوا آدميًا آليًا، ما يستطيعون أن يخلقوا ذبابًا، هذا الآدمي الآلي ما هو إلا آلة تتحرك فقط، لكن لا تجوع ولا تعطش ولا تفرح ولا تحزن، ولا تتحرك إلا بتوجيه الإنسان لها عن طريق ما ركب فيه من آلات كهربائية.

الذباب لا يمكن أن يخلقه كل من سوى الله ولو اجتمعوا، فالله سبحانه وتعالى وحده هو الخالق، وبماذا يخلق؟ بكلمة واحدة، قال تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران:59] وقال تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس:82] الخلائق كلها تموت وتفنى وتأكلها الأرض وتأكلها السباع وتحرقها النيران، وإذا كان يوم القيامة زجرها الله زجرة واحدة، اخرجي فتخرج {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ} [النازعات:13-14] {إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} [يس:53] كل العالم من إنس وجن، ووحوش وحشرات، وغيرها كلها يوم القيامة تحشر بكلمة واحدة.

إذًا: فالله عز وجل وحده هو الخالق، ولا أحد يخلق معه، والخلق لا يضعفه ولا يعجزه بل سهل عليه.

وقوله: {خَلَقَ فَسَوَّى} يعني: سوى ما خلق على أحسن صورة وعلى الصورة المناسبة؛ كالإنسان مثلًا كان خلقه على أحسن صورة كما قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} [الانفطار:7-8] وقال: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين:4] .

لا يوجد في الخلائق شيء أحسن من خلقة الإنسان، رأسه فوق، وقلبه في الصدر، وعلى هيئة تامة، ولهذا كان أول ما يدخل في قوله: (( فَسَوَّى ) )هو تسوية الإنسان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت